تتمة ما سبق .
لهذا نرى الشهادة بالنار لكافر على قيد الحياة لا تجوز لا شك لاحتمال أن؟ أن يسلم، وكم من كافر أسلم.
أما إذا مات على الكفر ولم نعلم أنه قال يوما من الدهر لا إله إلا الله فهذا أيضا لا نشهد له بالنار ايش؟ احتياطا ولا؟ احتياطا. ومعلوم أن الحكم الاحتياطي ليس كالحكم المجزوم به. نعم. طيب.
يقول : " ومن الشهادة بالوصف " انتهينا منه.
قال المصنف رحمه الله تعالى : ونؤمن بفتنة القبر , وهي سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه فـ << يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة >> [ إبراهيم : 27 ] , فيقول المؤمن : ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد , و أما الكافر و المنافق فيقول : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته .
نؤمن بها حقا، لأن القرآن أشار إليها، والنبي صلى الله عليه وسلم بينها بيانا واضحا.
وفتنة القبر أن يسأل الإنسان من ربك، ما دينك، من نبيك؟ ثلاثة مسائل، وعليها بنى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رسالته الصغيرة المباركة وهي ايش؟ ثلاثة الأصول. نعم. أو الأصول الثلاثة.
قال : " فـ (( يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة )) ". أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم. يثبته بالقول الثابت وهو القول الحق في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
قوله : يثبت في الحياة، الظاهر أن في الحياة متعلقة بيثبت، يعني الله يثبتهم بالقول الثابت في الحياة، يثبتهم في الحياة، وهذا أحسن من أن نقول إنها متعلقة بالثابت، بل نقول متعلقة بيثبت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ولهذا كان المؤمنون حقا تثبت أقدامهم عند الجهاد فلا يفرون ولا ينهزمون.
" فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد. وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته " . الحديث ورد ( وأما الكافر أو المنافق ) وإذا طبقت هذا الجواب وجدته ينطبق على ايش؟ ( سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) عن المنافق. المنافق لا يستطيع أن يجيب، حتى وإن كان يجيب به في الدنيا بأفصح عبارة فإنه في القبر لا يجيب.
يقول : هاه هاه لا أدري، وفكر في قوله هاه هاه تجد كأنه يعلم الشيء ولكن نسيه أو عجز عن النطق به، وهذا يكون أشد حسرة مما لو كان لم يعرفه، أفهمتم؟ لو ضاع لك مائة ريال كان ذلك أشق عليك مما لو لم تملكها من قبل، أليس كذلك؟ هكذا العلم، إذا أضعته بعد حصوله صار أشد عليك مما لو لم تدركه أولا. انتبه يا أيوب. طيب.
إذن الذي يظهر أن الذي يسأل المؤمن والمنافق، الكافر لا يسأل ليش؟ لا حاجة لسؤاله، الامتحان إنما هو للاختبار، والكافر ساقط من أصله، لا يسأل، ولذلك يوم القيامة لا يحاسبون، وإنما تنشر أعمالهم ويخزون بها، ويقال : (( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين )).
لكن لو ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبوتا صريحا لا شك فيه أن الكافر يسأل فنقول: سمعنا وصدقنا وآمنا، أما ولفظ الحديث هكذا ( سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) فإن ذلك يكون جوابا ممن؟ ممن قال ذلك، وهو المنافق الذي لم يدخل الإيمان قلبه، ثم المعنى يقتضي أن لا يسأل الكافر أيضا لأن السؤال لايش؟ للاختبار والامتحان، والكافر ساقط من الأصل. إنسان طالب لا يجيب في كل دروسه إلا صفر، نختبره ولا ما نختبره؟ ما نختبره، خله يبقى، لكن إنسان فيه احتمال هذا هو الذي يسأل. فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
2 - قال المصنف رحمه الله تعالى : ونؤمن بفتنة القبر , وهي سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه فـ << يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة >> [ إبراهيم : 27 ] , فيقول المؤمن : ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد , و أما الكافر و المنافق فيقول : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته . أستمع حفظ
ما حكم الشهادة المعلقة بوصف أو حال ؟
الشيخ : نعم.
السائل : شيخ بارك الله فيكم، الشهادة بالتعليق تجوز؟
الشيخ : الشهادة؟
السائل : كأن يقال فلان إن مات على هذا فهو في النار باعتبار أنه كافر.
الشيخ : أي نعم.
السائل : لأن الذي.
الشيخ : هذه لا بأس، لا بأس، الشهادة المعلقة. لكن أنا أقول ما له فائدة، لأنك أنت قد تعلق ويسمعك إنسان ما يعرف التعليق فيجزم، لا حاجة، حتى لعن الكافر إذا مات كافرا هل نلعنه؟ ما نلعنه، لأنه إن كافرا فقد لٌعن وإن كان غير كافر فقد سلمنا منه.
السائل : شيخ قد يقال ليبين أن الذي يفعله مثلا كفر.
الشيخ : ما يخالف.
السائل : موجب.
الشيخ : أنا أقول كل ما فعل كافر وهذا الغافل إذا مات على هذا الي هو عليه فهو كافر، والكافر من أهل النار، كذا أقول.
السائل : جزاكم الله خيرا.
ما حكم قولنا لشخص فلان شهيد وصفا لا شهادة له بالجنة ؟
الشيخ : إذا كان؟
السائل : إذا كان قولنا لفلان الذي قتل في المعركة مثلا فلان شهيد على أن هذا أصبح لقب ووصف لهذا الرجل وليس شهادة منا له بالجنة، لأن هذا يكثر.
الشيخ : شف بارك الله فيك. لا بد أن تشهد أو تتضمن شهادتك بأنه شهيد أن يكون من أهل الجنة. (( الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم )) (( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون )) هل يمكن أن تقول فلان شهيد وإذا قيل لك هل هو من أهل الجنة، تقول لا؟ إذا قلت لا فقد تناقضت، وإن قلت نعم شهدت له بالجنة.
السائل : يعني يستلزم من قولنا أنه شهيد.
الشيخ : أن يكون في الجنة ما في شك. إذا شهدت له بعينه. وكما قلت لكم: ما لهذا حقيقة، الشهادة في مثل هذه الأمور إن كان مستحقا لها فهو أهل لها سواء قلت أو ما قلت، وإن لم يكن مستحقا فلتبرأ ذمتك منه. نعم.
إذا أجمعت الأمة على شخص ما بالثناء هل يشهد له بالجنة ؟
الشيخ : ارفع صوتك، على؟
السائل : ما الجواب على أن بعض أهل السنة يشهد لبعض الأئمة بالجنة.
الشيخ : ايه.
السائل : ... .
الشيخ : طيب. هذا سؤال مهم ونتعرض له الآن.
بعض العلماء رحمهم الله يقولون: إن الأمة إذا اتفقت على الثناء على شخص أنه من أهل الجنة يعني من أهل الخير والتقوى والإيمان فلنا أن نشهد له، مثل الأئمة الأربعة مثلا، سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، وغيرهم من العلماء الذين اتفقت الأمة على الثناء عليهم. قال : إنه يجوز أن نشهد له بالجنة. نعم.
واستدل بذلك بقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( حين مرت جنازة فأثنوا علها خيرا قال : وجبت. وجنازة أخرى أثنوا عليها شرا. قال: وجبت. قالوا يا رسول الله: ما وجبت؟ قال : أما الأول فأثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وأما الثاني فأثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض ).
وممن ذهب إلى هذا المذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن عامة المؤلفين في العقائد لا يذكرون هذا الثالث وهو الذي اتفقت الأمة على الثناء عليه أو القدح فيه.
وأنا أقول لكم وأكرر: أيُّ فائدة لشهادة أشهد بها وأنا بين الإثم والسلامة. نعم؟ أنا إذا شهدت الآن لهذا الذي اتفقت الأمة على الثناء عليه بأنه من أهل الجنة، فأنا الآن بين الإثم والسلامة، مهو بين الإثم والغنيمة، لو كان بين الإثم والغنيمة لقلنا ننظر أيهما أرجج، بين الإثم والسلامة، ومعلوم أن الإنسان سوف يرجح ايش؟ جانب السلامة على احتمال الإثم. فنحن نقول: هؤلاء الأئمة نشهد لهم بالخير وأنه يرجى أن يكونوا من أهل الجنة، نعم، ولكن شهادتنا لهم بالجنة لا توجب الجنة لهم لو لم يكونوا من أهلها، وعدم شهادتنا لهم بالجنة لا تمنع دخولهم الجنة لو كانوا من أهلها، والسلامة أسلم. نعم.
ما حكم الشهادة بالجنة أو النار إعتمادا على الرؤية المنامية ؟
الشيخ : الرؤيا قد تكون حقا إذا أيدت بالقرائن ويعمل بها. وأما إذا لم تكن قرائن أو كانت تخالف الإسلام فلا يعمل بها. لو جاءنا إنسان مثلا وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكلمته وكلمني وقال يا فلان أنت في أيام البيض يشق عليك القيام لصلاة الفجر فلا حرج عليك أن تؤخرها حتى تقوم من منامك. قلنا: رأيت الرسول حقا؟ قال: رأيته حقا. نقبل هذه الرؤيا؟ ليش؟
الطالب : تخالف الشرع.
الشيخ : تخالف الشرع، لكن الرؤيا التي تؤيد بالقرائن ولا تخالف الشرع أو يؤيدها الشرع هذه لا بأس بها.
ولهذا ذكروا عن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، وتعرفون قصته أنه كان جهوري الصوت، وهو من خطباء الرسول عليه الصلاة والسلام، كان جهوري الصوت، فلما نزل قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون )) انحبس في بيته، وجعل يبكي، ما استطاع أن يواجه الناس خوفا من أن يكون عمله قد حبط وهو لا يشعر، ففقده النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: يا رسول الله، إنه منذ أنزلت هذه الآية وهو في بيته يبكي، فأرسل إليه رسولا، وقال له بشرى: ( إنك تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة ). شف الخوف من الله هو شاطئ السلامة، هو شاطئ السلامة، من كان بالله أعرف كان منه أخوف.
بشر بهذه البشرى. عاش رضي الله عنه حميدا، وقتل شهيدا في وقعة اليمامة، ونشهد له بالجنة لقول الرسول: ( وتدخل الجنة ). لكنه لما قتل مرّ به أحد الجنود وكان عليه درعا، فسلب درعه ووضعه في طرف الجيش تحت برمة، ما أدري أحمد يعرف البرمة؟ ايش البرمة؟ ما هي؟
الطالب : القدر يا شيخ.
الشيخ : أي نعم، القدر من الخزف، وضع الدرع تحت هذا القدر، وحوله فرس يستن، الفرس الذي يستن قالوا هو الذي يرفع إحدى قوائمه، فرآه صاحب له في المنام، وأخبره بالخبر قال إنه مرّ بي أظنه قال فلانا وأخذ الدرع ووضعه تحت برمة في طرف العسكر وحوله فرس تستنّ، فإذا أصبحت فاغد إليه، ثم أوصاه وصية إلى أبي بكر رضي الله عنه الخليفة. فلما أصبح الرجل أخبر القائد خالد بن الوليد بالخبر وذهبوا إلى المكان ووجدوا الدرع تماما تحت برمة وحوله فرس يستن.
إذن هذه الرؤيا أيدت بايش؟ بالقرائن. فنفذت الوصية، نفذها أبو بكر. قال العلماء ولم يعلم أن أحدا أوصى بعد موته ونفذت وصيته إلا ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، فإذا دلت القرائن على ذلك فلا بأس.
كذلك أيضا قال ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين، قال : " إن شيخ الإسلام ابن تيمية أشكلت عليه مسائل في الفقه، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وسأله عنها فأجابه وأفتاه ". وهذه من كرامة الله لابن تيمية رحمه الله. من جملة ما استفتاه فيه قال: إنه تقدم إليه جنائز نصلي عليها ونشك في إسلام الميت؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: عليك بالشرط يا أحمد، عليك بالشرط، يعني: اللهم إن كان مؤمنا فاغفر له. هذا الذي ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في المنام لولا أنه يشهد له ما جاء في الكتاب والسنة لقلنا لا يعمل به.
الشاهد من ذلك قوله في آية اللعان: (( والخامسة أن لعنة الله عليه )) ايش؟ (( إن كان من الكاذبين )) وهي تقول (( أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين )) فدل ذلك على أن تعليق الدعاء بشرط الاستحقاق جائز.
الطالب : انتهى الوقت.
الشيخ : انتهى الوقت.
القارئ : حفظه الله تعالى : " ونؤمن بنعيم القبر للمؤمنين (( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون )).
ونؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين (( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون )).
والأحاديث في هذا كثيرة معلومة. فعلى المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء به الكتاب والسنة من هذه الأمور الغيبية، وأن لا يعارضها بما يشاهد في الدنيا، فإن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، لظهور الفرق الكبير بينهما، والله المستعان ".
الشيخ : نعم.
تلخيص ما سبق .
الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق أن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بفتنة القبر، وأن الفتنة بمعنى ايش؟ الاختبار والامتحان، بحيث يسأل الإنسان عن ربه ودينه ونبيه. وذكرنا الدليل من القرآن، والسنة أيضا في ذلك ظاهرة.
قال المصنف رحمه الله تعالى : ونؤمن بنعيم القبر للمؤمنين : << الذين تتوفاهم الملآئكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون >> [ النحل : 32 ] .
هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات نعيم القبر.
ودليله : " (( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون )) " هذا (( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين )) أي طيبين في العقيدة، طيبين في العمل يقولون متى؟ يقولون حال توفيهم (( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون )) (( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون )) أي في ذلك اليوم.
فإذا قال قائل: يشكل على هذا أن الميت المؤمن يدفن في الأرض، فكيف تقول الملائكة (( ادخلوا الجنة )) ؟
قلنا : بأنه ثبت في الحديث الصحيح أنه يوسع للإنسان الميت في قبره نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، وأنه يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها ما تقر به عينه.
وقوله تعالى : (( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون )) الباء هنا للسببية، فإن قلت إنها للسببية سلمت، وإن قلت إنها للعوض أشكل عليك هذا مع قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( لن يدخل الجنة أحد بعمله ) ( لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ). وهنا في القرآن الكريم آيات متعددة يقول : (( بما كنتم تعملون ))
نقول: ما أسهل الجمع بين هذا الحديث وبين الآيات، الباء في الآيات ايش؟ للسببية، يعني بسبب العمل، والباء في الحديث للمعاوضة، كما تقول اشتريت منك الثوب بدرهم، فهي للمعاوضة، فلا يمكن أحد أن يدخل الجنة عوضا عن عمله ولكن يدخل الجنة بايش؟ بسبب عمله، والفرق ظاهر، لو أن الله تعالى أراد أن يعاوضك والله لتخسرنّ خسارة مؤكدة، لو أحصيت ما أنعم الله عليك بنوع من النعم، بنوع واحد من النعم لكان يستغرق ايش؟ جميع أعمالك.
النفس الذي لا يشق عليك ولا يتعبك ولا يكلفك نعمة كبيرة عظيمة، لا يعرف قدرها إلا من ابتلي بضيق النفس، هذه النعمة لو أنها قوبلت بالعمل عملك كم نسبة عملك للساعات يعني ثلاث ساعات في اليوم والليلة؟ قد يكون، وقد يكون أربع، وقد يكون خمس، وقد يستغرق الإنسان وقته كله في طاعة الله حتى النوم ينام ليستعين به على طاعة الله ويريح جسمه ويعطي نفسه حظها، وبهذا يكون النوم عبادة، لأن الحقيقة الموفق يستطيع أن يجعل جميع أوقاته وحركاته وسكناته جميعها عبادة، يستطيع. إن أكل نوى بذلك التنعم بكرم الله وبفضل الله، والله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثره أثر نعمته عليه. ينوي بأكله وشرابه التقوي على طاعة الله، صار عبادة ولا لا؟ ينوي بذلك القيام بواجب نفسه، لأن الإنسان يجب عليه أن يراعي نفسه، حتى إنه إذا جاع وخاف الموت وش حكم الأكل؟ يجب عليه أن يأكل وجوبا. فإن قال ما يجب أنا صابر على الموت، قلنا: ما يصير يجب أن تأكل. واضح؟
إذن تأكل لتؤدي النفس حقها صار أكلك الآن ايش؟ عبادة.
.. اللباس تلبس الثوب لتستر عورتك ولتتنعم به بالوقاية من البرد أو الحر - يرحمك الله - (( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم )) إلخ.
المهم يا إخواني والله يفوت علينا أشياء كثيرة تضيع علينا، كله بسبب الغفلة عن النية، وإلا لو استحضرنا النية لكانت كل حركاتنا وسكناتنا ايش؟ عبادة نثاب عليها.
أقول: لو أن أحدا قابل نوعا واحدا من نعمة الله عليك بعمله الصالح ها؟ لاستغرقه كله. ثم نقول كما قال بعض العلماء، قال: إن توفيقك للشكر نعمة يستوجب الشكر، لأن كثيرا من الناس حرم الشكر، فإذا أنعم الله عليك ووفقك لشكر النعمة واستعمالها في طاعة مولاك فهذه نعمة تحتاج إلى شكر. وفي هذا يقول الشاعر :
" إذا كان شكري نعمة الله نعمة *** علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله *** وإن طالت الأيام واتصل العمر ".
إذن الباء في قوله : (( بما كنتم تعملون )) لايش؟ للسببية لا للعوض.
الطالب : ...
الشيخ : هاه؟
الطالب : ... .
الشيخ : ايش؟
الطالب : ... .
الشيخ : أعيده يا جماعة؟
الطالب : يريد يكتب.
الشيخ : أنا فاهم، هل نعيده ولا لا ؟ طيب نعيده.
العرب يقف الشاعر يتلو عليهم خمسين بيت وينصرف ويحفظونه جميعا، وأنت تعجز عن بيتين. يقول :
" إذا كان شكري نعمة الله نعمة *** علي له في مثلها يجب الشكر " اكتب، ما في ورقة؟ هذه ورقة.
" علي له في مثلها يجب الشكر " اكتب وأعطني إياها أشوف كتابتك عربية ولا ايش هي؟ هاه؟ روسية، أعطني باللغتين عشان نشوف. طيب اسمع.
" إذا كان شكري نعمة الله نعمة *** علي له في مثلها يجب الشكر " هذا الشطر الثاني.
البيت الثاني :
" فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله " " فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله " هذا الشطر الأول.
" وإن طالت الأيام واتصل العمر ".
ها كتبت؟ ويش كتبت؟ خلاص ما شاء الله!
الطالب : ... .
الشيخ : " فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله *** وإن طالت الأيام واتصل العمر ".
بس الإملاء فيه قواعد ممكن تراعيها، بارك الله فيك.
8 - قال المصنف رحمه الله تعالى : ونؤمن بنعيم القبر للمؤمنين : << الذين تتوفاهم الملآئكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون >> [ النحل : 32 ] . أستمع حفظ
قال المصنف رحمه الله تعالى : ونؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين : << و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملآئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون >> [ الأنعام : 93 ] .
" ونؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين ". نؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين، لقوله تعالى : (( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم )) أي ملائكة؟ الملائكة الذين نزلوا لقبض أرواحهم. هؤلاء في غمرات الموت أي في السكرات التي تغمرهم، يعني: لو ترى هؤلاء لرأيت أمرا عجبا، فجواب لو ايش؟ محذوف، ويحذف في مثل هذا ليذهب الذهن كل مذهب في تقديره.
(( إذ الظالمون في غمرات الموت )) الظالمون هنا المراد بهم الكافرين، المراد بهم الكافرون، لقوله تعالى : (( والكافرون هم الظالمون )) (( والملائكة باسطوا أيديهم )) مادوها (( أخرجوا أنفسكم )). سبحان الله! هذا يدل على أنهم شحيحون جدا في نفوسهم، ولا يودون أن تخرج نفوسهم، لأنهم والعياذ بالله يبشرون بغضب من الله وعقاب من الله، فتنفر النفس، تتفرق في الجسد هربا مما أنذرت به، فيقول : (( أخرجوا أنفسكم )) أعطونا إياها، وتصور هذا المشهد وكأن هؤلاء لا يريدون أن يعطوا أنفسهم للملائكة.
ثم قال : (( اليوم تجزون عذاب الهون )) اليوم هنا ال للعهد الحضوري، اليوم أي يوم تأتي الملائكة لقبض أرواحهم (( تجزون عذاب الهون )) أي عذاب الذل (( بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون )). بسببين: الكذب على الله، والاستكبار عن عبادة الله، والباء هنا للسببية.
هذان دليلان من القرآن على نعيم القبر وعلى عذاب القبر. وهناك أدلة.
أما السنة فقد تواترت في ذلك تواترا لا نظير له،كل مسلم يقول في كل صلاة: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. إذن فعذاب القبر متواتر تواترا لا نظير له. يعني جميع الأحاديث الواردة في التواتر لا يمكن أن تكون كأحاديث عذاب القبر، لأن عذاب القبر كل الناس يقولونه، يعني يشبه أن يكون تواتر القرآن الذي يقرأه الصغير والكبير. كل إنسان يقول في صلاته أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر.
9 - قال المصنف رحمه الله تعالى : ونؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين : << و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملآئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون >> [ الأنعام : 93 ] . أستمع حفظ
قال المصنف رحمه الله تعالى : والأحاديث في هذا كثيرة معلومة , فعلى المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء به الكتاب والسنة من هذه الأمور الغيبية , و أن لا يعارضها بما يشاهد في الدنيا , فإن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا , لظهور الفرق الكبير بينها . والله المستعان .
فعلى المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء به الكتاب والسنة من هذه الأمور الغيبية " حتى يكون من المؤمنين حقا. من المؤمنون؟ الذين يؤمنون ايش؟ بالغيب.
" وأن لا يعارضها بما يشاهد في الدنيا " يعني بعض الناس والعياذ بالله أنكر عذاب القبر وأنكر فتنة القبر، وقال: كيف يكون هذا؟ نحن نحفر القبر ثاني يوم أو أول يوم نجد أن القبر هو هو، لم يوسع، وليس فيه آثار عذاب، ونجد أن البدن كذلك لم يتغير وكيف يقعد الإنسان في قبره وهو قد وضع عليه اللبن وما أشبه ذلك من أمور، يقيسون أمور الآخرة بأمور الدنيا، هؤلاء ليس بمؤمنين، هؤلاء لا يؤمنون إلا بما يشاهدون فليسوا مؤمنين بالغيب، المؤمن بالغيب أن يقول فيما أخبر الله به ورسوله حقا حقا حقا، هذا المؤمن، لكن هؤلاء والعياذ بالله قوم ملحدون لا يؤمنون إلا بما يشاهدون. فنقول : نحن لا نعارض هذا بما نشاهده في الدنيا، لأن أمور الآخرة من أمور.
" لا تقاس بأمور الدنيا لظهور الفرق " والفرق ظاهر.
على أننا نقول لهؤلاء: أليس الواحد منكم في منامنه يرى في الرؤيا أنه قد زار أصدقاءه، وأنه قد وصل البلد الفلاني، وأنه جلس وأنه قام وهو ايش؟ على فراشه لم يتغير حتى لحافه لم يسقط عن ظهره، ومع ذلك يرى أشياء كثيرة، مع أن تعلق الروح بالبدن في المنام أقوى من تعلق الروح بالبدن بعد الموت. فإذا كان هذا للروح في حال الوفاة الصغرى فما بالك بالحياة الكبرى، قصدي بالميتة الكبرى.
فالمهم يا إخواني أنه يجب علينا فيما يتعلق بأمر الآخرة أن ايش؟ أن نؤمن ونسلم، ولا نقول كيف ولم؟ يوم القيامة الناس في صعيد واحد ترى المؤمنين يسعى نورهم ايش؟ بين أيديهم وبأيمانهم، والكافرون في ظلمة ليس عندهم نور، والمقام واحد، والزمن واحد، لكن أمور الآخرة لا تقاس أبدا بـأمور الدنيا، ولهذا قال: " لظهور الفرق الكبير بينهما والله المستعان ".
وهذا هو الفرق بين المؤمن حقا والمنكر والمتردد، المؤمن يقول سمعنا وصدقنا وآمنا، وهذا حق، ولا إشكال فيه. والملحد يتردد أو ينكر. انتهى الوقت؟
الطالب : لا، باقي.
الشيخ : طيب.
10 - قال المصنف رحمه الله تعالى : والأحاديث في هذا كثيرة معلومة , فعلى المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء به الكتاب والسنة من هذه الأمور الغيبية , و أن لا يعارضها بما يشاهد في الدنيا , فإن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا , لظهور الفرق الكبير بينها . والله المستعان . أستمع حفظ
قال المصنف رحمه الله تعالى : فصل :ونؤمن بالقدر خيره وشره , وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه واقتصته حكمته .
نؤمن بالقدر خيره وشره، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث جبريل: ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ) وهذه الخمسة والحمد لله كلها تكلمنا عليها، كلها سبقت. بقي السادس وهو الإيمان بالقدر خيره وشره.
الإيمان بالقدر واجب، لأنه من الإيمان بالله، وقوله: " خيره وشره " القدر: هو تقدير الله سبحانه وتعالى للكائنات حسب ما تقتضيه حكمته ويقتضيه علمه، فالمقدر للخير هو الله والمقدر للشر هو الله - انتبه - كل ما في الكون من خير وشر ونعم وبلاء وفقر وغنى وعز وذل وكفر وإيمان كله من؟ من الله عز وجل، ما في شيء خرج عن ملكه.
لكن يبقى النظر كيف يكون الشر من الله؟
نقول: نعم يكون الشر من الله، لكن ليس إلى الله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح : ( والشر ليس إليك ) وانتبه للفرق الدقيق بين قولك: الشر من الله، والشر ليس إلى الله.
الشر من الله يعني: أن هذه الشرور التي يحدثها الله عز وجل شرور خلقها من؟ الله. الحريق الذي يتلف أموالا وأنفسا شر، خلقه الله. العواصف المدمرة خلقها الله، الفيضانات المغرقة خلقها الله، الأوبئة المهلكة خلقها الله، وكلها شر. المعاصي والكفر والإلحاد والتطاحن بين المؤمنين والكفار شر لكن خلقه من؟ الله.
طيب. إذن كل شيء من الله، لكن الشر ليس إليك، بمعنى: أن هذا الشر الكائن في المخلوق ليس شرا بالنسبة لفعل الله، ليس شرا بالنسبة لفعل الله. ليش؟ لأن الله تعالى لا يقدره إلا لحكمة. فإذا كان تقديره لحكمة كان خيرا بالنسبة للغاية الحميدة. واضح يا إخوان؟ واضح، الإنسان قد يصاب بمرض يتأذى به ويشق عليه، لكن هذا المرض ربما يكون سببا في استقامته. أليس كذلك؟ كثير من الناس استقاموا حين ابتلوا ببلاء.
حدثني رجل أنه كان من أشد الناس إلحادا، لا يصلي ولا يتحاشى عن زنا ولا عن مخدرات ولا عن خمور، سبحان الله! فاسق بمعنى الكلمة، فمات أبوه، مات أبوه الي كان عاجز عن تربيته، مات أبوه يقول سبحان الله لما مات أبي وعرفت المصيبة آمنتُ آمنتُ، سبحان الله العظيم! آمن لأنه عرف الله عز وجل آمن واستقام، وصار إلى أن حدثني من الملتزمين الذين نشهد لهم بالخير.
إذن هذه المصيبة التي حصلت له بفقد أبيه صارت ايش؟ صارت خيرا له، صارت خيرا له.
كذلك الإنسان يصاب بالمرض بعد الصحة، لا يمكن أن يعرف قدر الصحة تماما حتى يصاب بالمرض أبدا. أنت الآن والحمد لله تتنفس بسهولة تتكلم بسهولة تقضي حاجتك بسهولة، لكن لو أصبت بعائق بضيق نفس، عرفت قدر نعمة الله عليك بالنفس أو لا؟ نعم. لو أصبت بحبس البول عرفت قدر نعمة الله عليك بسهولة إخراجه. لو أصبت بسلل البول عكس الحبس ايش؟ عرفت نعمة الله عليه بالقدرة على حبسه.
إذن الشرور التي تكون في مفعولات الله ليست شرا بالنسبة لفعل الله، بالنسبة لفعل الله، فعل الله كله خير، والشر في المفعولات.
انتبه للفرق الدقيق حتى لا يشكل عليك قول الرسول : ( تؤمن بالقدر خيره وشره ).
إذن تؤمن بالقدر أي تؤمن بالمقدور خيره وشره، أما القدر الذي هو تقدير الرب عز وجل فوالله إنه كله خير، كله خير.
طيب. وجود الشيطان خير؟
الطالب : نعم.
الشيخ : عجيب. خير ؟ نعم لولا وجود الشيطان ما عرفنا قدر الطاعات، لأن الذي يجاهدنا على الطاعات هو الشيطان، والذي يوسوس لنا بالمعاصي هو الشيطان، ولا نعرف قدر النعمة إلا بذلك، لولا الشيطان ما كان هناك كافر، ولم يستقم الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهلم جرا. الأفاعي السباع وجودها خير ولا لا؟
الطالب : نعم.
الشيخ : لكنها هي شر، لكن وجودها لتعرف بذلك قدر نعمة الله عليك. الأفعى ما هي بالنسبة للبعير؟
الطالب : لا شيء
الشيخ : الأفعى والبعير ويش النسبة بينهما؟
الطالب : قليل.
الشيخ : الأفعى كذيل البعير، ومع ذلك الأفعى لو تمسكك لأهلكتك. البعير تأتي إليك منقادة بكل سهولة، الصبي الصغير الي أقل من ساق البعير يقودها بكل سهولة يبركها ويحمل عليها ويركبها وهي تتجرر. تعرفون تتجرر؟ تعلف الطعام، تعلف الطعام، ما على بالها أبدا. بهذا تعرف قدرة الله عز وجل ورحمته وحكمته، وأشياء كثيرة يطول شرحها.
لكن المهم أن نؤمن بأن كل ما وقع في السماوات أو في الأرض فإنه ايش؟ بتقدير الله عز وجل من خير أو شر، تؤمن بالقدر خيره وشره.
المعاصي بتقدير الله أفهمتم؟ العجب أن المعتزلة الذين ينزهون الله عز وجل يقولون المعاصي من فعل العبد وليست من الله. قال قائلهم مرة: " سبحان من تنزه عن الفحشاء " سبحان من تنزه عن الفحشاء. كلمة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. أنت إذا قلت سبحان الله العظيم، سبحان من تنزه عن الفحشاء، لأن الله قال في كتابه : (( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء )) فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، يريد أن زنا الزاني ليس بتقدير الله. فقال له السني: " سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء ". خصمه أو لا؟ خصمه، لأنك إذا قلت المعاصي ما هي مخلوقات لله، صار في ملك الله ما لا يريد، وصار ملك الله قاصرا لم يعم كل شيء. طيب انتهى الوقت؟
الطالب : نعم.
الشيخ : نعم.
قال المؤلف رحمه الله: " وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه " إذن الله عز وجل عالم بكل شيء، حتى الذي لم يقع هو عالم به.
لكن هنا إشكال، قال الله تعالى : (( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين )) وقال تعالى : (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين )). هاتان الآيتان وأمثالهما تقتضيان تجدد علم الله عز وجل.
ونحن نقول: إن علم الله أزلي سابق، فكيف نجيب عن هذه الآيات؟
نقول: الجواب عن هذه الآيات من وجهين:
الوجه الأول: أن علمه بها بعد وقوعها علم بوقوعها، وعلمه بها قبل وقوعها علم بأنها ستقع، وبينهما فرق. أنا مثلا عندما أعرف أنه سيؤذن الظهر الساعة الثانية وعشر دقائق هذا علم بها قبل وقوعها، فإذا أذن في هذا الوقت فهذا علم ليس متجددا، لأنه سبق أني أعلم بذلك، لكنه علم به بعد وقوعه. فعلم الله بالكائنات قبل وقوعها علم بأنها ستقع، وعلمه بها بعد وقوعها علم بأنها واقعة. هذا واحد.
الوجه الثاني وهو أسدّ: أن نقول علم الله بها قبل وقوعها علم لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعلمه بعد وقوعها هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب. وعلى هذا فقوله : (( حتى نعلم )) أي علما يترتب عليه؟ امشوا؟
الطالب : الثواب والعقاب.
الشيخ : الثواب والعقاب، لأن العلم الأول لا يترتب عليه ثواب وعقاب، لأن هذا ... لم يوجد أصلا، لم يوجد. إن الله علم أن العاصي سيعمل هذه المعصية قبل كل شيء، علم أزلي، لا يزال في نفس الله عز وجل، قبل أن يخلق هذا المخلوق الذي عصى الله، لكن علمه بعد المعصية هو العلم الذي يترتب عليه ايش ؟ الثواب والعقاب.
قلنا ذلك، لأن الله تعالى قال في كتابه : (( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء الأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير )).
نعم. هذا القدر " نؤمن بأن الله تعالى قدر كل شيء حسب ما سبق به علم واقتضته حكمته ".
انتبه لهذه الجملة الثانية " اقتضته حكمته " والحكمة وضع الأشياء في مواضعها.
اعلم أن كل شيء يقع من الكائنات وأن كل شيء يحكم الله به من المشروعات اعلم أنه على وفق الحكمة. وإذا آمنت بذلك فإنك سوف تعلم أن الواقع شرعا أو الواقع قدرا لا اعتراض عليه بوجه من الوجوه. انتبه يا أخي لهذا لأن الإنسان لقصور علمه قد يتراءى له أن هذا الشيء مخالف للحكمة، قد يتراءى له أن هذا الشيء مخالف للحكمة. نقول : إنه إذا تراءى لك أن هذا الشيء مخالف للحكمة فاتهم ايش؟ رأيك اتهم رأيك، لأن الذي قدره أو شرعه هو الله عز وجل وهو أحكم الحاكمين. فلا يمكن يوجد شيء من الكائنات أو شيء من المشروعات إلا وهو على وفق الحكمة، ولذلك يجب أن نسلم للشرع ونستسلم للقدر، واجب، لو لم نفعل ذلك ما رضينا بالله ربا. الذي يرضى بالله ربا هو الذي يسلم لشرعه ويستسلم لقدره، ويقول: لا شك أن هذا لحكمة عظيمة إما أن أعلمها الآن وإما أن أعلمها بعد الآن.
ولهذا نضرب لكم مثلا صغيرا. الإنسان يريد شيئا من الأشياء أحيانا ثم يجد موانع تمنعه من فعله، أو مقتضيات تقتضي أن يفعل غيره، فتجده يندم ويتكدر، وإذا بالأمر يكون الخيرة فيما اختار الله، يعلم أنه لو فعل الأمر على ما قدره هو سوف ينعكس عليه، لكن الله قدر الأمر على خلاف ما يريد لحكمة وهي من مصلحة العبد.
ولا أدري هل يقع ذلك في يومياتكم أو في شهوركم أو في سنواتكم أو في أعماركم أو لم يقع منكم شيء من ذلك؟ واقع واقع. أنا أحدثكم عن نفسي أحيانا أريد شيئا وأصر عليه وإذا لم يتيسر لي ندمت. ثم إذا بالأمر تكون الخيرة فيما لم أرده بل فيما جرى.
إنسان مثلا نقل في وظيفته من بلد إلى آخر تجده يتكدر، وكيف أذهب عن أصحابي الذين كنت معهم إلى بلد لا أعرفه، ثم يقدر له في هذا البلد.