الشيخ : إن الحمد لله نحمده و نستغفره و نستعينه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد ألا إله الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله ، (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون ))(( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ))(( يا الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما )) أما بعد : فإن خير الكلام كلام الله و خير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
شرح الشيخ لحديث أبي هريرة المرفوع ( مثل ابن آدم وأهله وعمله........) وما في معناه وكلام الشيخ على ضرورة الاهتمام بالعمل الصالح .
الشيخ : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال ( مثل ابن آدم وماله وأهله وعمله كرجل له ثلاثة إخوة -أو ثلاثة أصحاب- فقال أحدهم أنا معك حياتك، فإذا مت فلست منك ولست مني، فهو ماله، وقال الآخر: أنا معك فإذا بلغت تلك الشجرة فلست منك ولست مني ، وقال الآخر أنا معك حياً وميتاً ) رواه البزار و رواته رواة الصحيح هذه الأحاديث الصحيحة هي في الواقع من حيث المعنى و الموضوع كالحديث الأخير الذي انتهى به درسنا الماضي حديث أنس حين قال الرسول عليه الصلاة و السلام ( يتبع الميت ثلاث أهله و ماله و عمله فيرجع اثنان و يبقى واحد ، يرجع أهله و ماله و يبقى عمله ) و قد تكلمنا على هذا الحديث بما تيسر في درسنا الماضي فلا حاجة بنا إلى أن نكرر الكلام على هذين الحديثين ما دام أنهما يدندنان حول ما دندن حديث أنس السابق و لكني أرى أنه لابد من كلام وجيز جدّا حول ما تدندن حوله هذه الأحاديث و تركز حوله فنحن نرى أنها تركز الكلام حول العمل و أنه هو الذي يبقى و يدخل مع صاحبه القبر و أنه ما سوى ذلك من مال و خدم و حشم و عشيرة لا يفيده شيئا و إنما يرجعون كلهم يصبح ماله إرثا للوارثين له و أما أقرباؤه و عشيرته فلا يغنون عنه من الله شيئا ، إذن كأن الحديث بل يعني الحديث توجيه المسلمين إلى أن يهتموا بالعمل الذي سيبقى معهم أبد الدهر و أن لا يهتموا بمال و جاه الذي من أسباب ... الأهل و الخدم و الحشم . هذا المال ما دام هذا شأنه فكأن الرسول عليه الصلاة و السلام يريد كما يشير المصنف حينما أورد هذه الأحاديث في كتاب الزهد في الدنيا يشير إلى أنه ما دام أن المال سوف لا يبقى و إنما الذي يبقى هو العمل فعليكم أن تحسنوا العمل ، و إحسان العمل يدخل فيه المال الصالح لأنه إذا جمع مالا و كان صالحا و أنفقه أيضا في السبل المشروعة كما أيضا ذكرنا في الدرس الماضي فيكون هذا أيضا من العمل الصالح و من الآثار التي يخلدها بعد وفاته في الدنيا فيأتي إليه آثار عمله هذا الصالح لا سيما إذا كان سببه المال الصالح فإذن الرسول صلى الله عليه وآله و سلم يحض في هذه الأحاديث الثلاثة على أن يحسن أحدنا عمله سواء كان عبادة أو صلاة أو جمع مال و نحو ذلك ... .
الشيخ : ... وإذن فهذا العمل ينبغي أن نتذكر حقيقة كثير من الناس يغفل عن بعضها و كثيرون جدا يغفلون عن ... هذه الحقيقة تتحمّل درسا خاصة و لكن أقول كما قلت آنفا لابد من الإيجاز حتى نمضي في الأحاديث التي بعدها . العمل الذي يفيد صاحبه في قبره و في حياته الأخرى هو العمل الصالح و ليس مطلق العمل ، فما هي شروط العمل الصالح حتى يهتم به المسلم و يجعله قرينا في قبره يدخل معه ؟ جاء ذلك في قول الله عز و جل (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا )) قال علماء التفسير إن هذه الآية في طرفها الأخير تدل على أن العمل الصالح يشترط فيه أمران اثنان .
بيان الشرط الأول وهو موافقة السنة والأدلة عليه وبيان خطورة البدع كلها مهما كان الدافع لها .
الشيخ : الأمر الأول أن يكون على السنة فإذا كان العمل و لو كان عبادة و لكنه مخالف للسنة فليس عملا صالحا لأنه اشترط في العمل الصالح شرطان هذا أحدهما أن يكون العمل الصالح مطابقا للسنة و الأدلة على ذلك كثيرة و حسبي في هذا التذكير حديث واحد ألا و هو قوله عليه الصلاة و السلام ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ) أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها ، إذن كل عبادة لم تكن في الإسلام حينما أنزل الله عز و جل على قلب محمّد عليه الصلاة و السلام قوله (( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا )) فهذا العمل لا يكون عملا صالحا و من الإيجاز و اقتصارا على هذا الحديث أذكّر ببحث البدعة و أنها لا تقبل التقسيم إلى خمسة أقسام كما يزعم كثير من المتأخّرين لأن الرسول عليه الصلاة و السلام يقول ( كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ) فأنا أذكركم بهذا البحث لتتأكدوا من صحة هذا الشرط الأول من شرطي كون العمل صالحا الذي استنبطه علماء التفسير من هذه الآية (( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا )) أي الشرط الأول أن يكون مطابقا للسنة .
بيان الشرط الثاني وهو الإخلاص والأدلة عليه وبيان خطورة الشرك صغيره وكبيره .
الشيخ : و الشرط الثاني أن يكون هذا العمل بعد كونه على السنة أن يكون خالصا لوجه الله عز و جل لأنه يقول في خاتمة الآية (( و لا يشرك بعبادة ربه أحدا ))(( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا )) أي لا يقصد بعمله الصالح غير وجه الله عز و جل فإن فعل فقد أشرك مع الله غيره و ردّ عمله عليه لأن الله كما جاء في الحديث الصحيح ( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته و شركه ) فهذا العمل مهما كان صالحا مطابقا للسنة فإذا لم يكن خالصا لوجه الله عز و جل فهو أيضا مردود كما لو كان خالصا لوجه الله و لكنه لم يكن مطابقا للسّنّة فهو كذلك مردود فهذان شرطان لكل عمل صالح إذا اختل أحدهما فيه لم يكن عمله صالحا بل ينقلب عمله وزرا عليه لو لم يفعله كان خيرا له لو أن رجلا صلى ركعتين في الليل و الناس نيام و صلاهما على السّنّة بدون زيادة و لا نقصان و لكن إنما كان يبتغي من وراء ذلك أن يتحدّث الناس عنه و أن يقولوا فلان رجل صالح يقوم الليل و الناس نيام بطل عمله لأنه أشرك الناس مع الله في هذا العمل الصالح و لكن لو أن عمله بطل فقط لم يحاسب عليه لكان صدق فيه ظاهر الحديث الصحيح المعروف ( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش و كم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب و السهر ) فهذا ظاهره أنه خسر العمل لكن ليس هذا فقط بل انقلب عمله وزرا عليه هاتان الركعتان اللّتان ضربنا بهما مثلا للعمل الصالح المطابق للسنة حينما لم يقصد وجه الله عز و جل فيهما كما لو ارتكب معصية من المعاصي أي إنه يعاقبه الله عز و جل على هاتين الركعتين لأنه أشرك فيهما مع الله عز و جل فمن نام و لم يصلّ خير منه وهو قد صلى ركعتين فقط فلو صلى إحدى عشرة ركعة و ما زاد اتباعا للسنة لكن مثلا هو قال في نفسه نوى في هذه العبادة أو في هذه الطاعة أنه يرائي مثلا إخوانه السلفيين أن يقول عنه أصحابه فلان هذا سلفي ما يزيد على السنة لو نوى هذه النية بطل عمله و انقلب وزرا عليه ، يبنغي أن يصلي على السنة يقصد بذلك خالصا لوجه الله عز و جل لا يبتغي بذلك إرضاء الناس مطلقا . هذا مختصر من الكلام حول العمل الذي لا يفارق صاحبه و يدخل معه قبره هذا لا يفارقه سواء كان عملا صالحا أو طالحا لكن الذي يفيده إنما هو العمل الصالح فما هو العمل الصالح ؟ ما شرطه ؟ اثنان : أن يكون موافقا للسنة و أن يكون خالصا لوجه الله تبارك و تعالى فتذكروا هذين الشرطين و اعملوا بهما لتكونوا صالحين مفلحين ، الشرط الأول أكثر الناس عنه غافلون بل هم عنه ضالون لأنهم يستحسنون الابتداع في الدين بمزاعم كثيرة طرقناها مرارا و تكرارا لا أريد الخوض فيها الآن .
تنبيه الشيخ للسلفيين والدعاة منهم بالخصوص للحذر من الوقوع في مخالفة الشرط الثاني وهو الإخلاص وخصوصا الرياء لخطورته الكبيرة .
الشيخ : ... و بالقاعدة الفقهية التي أسسها الرسول عليه الصلاة و السلام بقوله ( كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ) هذا الشرط أكثر الناس عنه غافلون أما الذين أنعم الله عليهم باتباع السنة و الإهتداء بهدي سيد الأمة عليه صلوات الله و سلامه فهؤلاء يعرفون حقيقة هذا الشرط و يلتزمونه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا فعليهم أن يتنبهوا للشرط الثاني الذي لا ينجو من الإخلال منه لا من هؤلاء و لا من هؤلاء إلا من شاء الله و قليل ما هم ، أي إن الرياء لا يستثنى منه لا سلفي و لا خلفي كل الناس معرضون للرياء في أعمالهم الصالحة و الأمر في هذا خطير و خطير جدا لذلك أحببت أن أذكر في هذه المناسبة و بغير هذه المناسبة أن تجعلوا أعمالكم صالحة و خالصة لوجه الله تبارك و تعالى من ذلك ما نحن مبتلون به و الإبتلاء لا يكون بالشر فقط قد يكون بالخير أيضا (( و نبلوكم بالشر و الخير فتنة )) فنحن مبتلون بالدعوة إلى الكتاب و السنة هذه الدعوة التي غفل عنها جماهير المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها حتى أصبح هؤلاء الدعاة فعلا غرباء ليس فقط في البلاد الغريبة بل في عقر دارهم هو غرباء بين زملائهم بل هم غرباء بين أقاربهم ، بين إخوانهم و هذا مما يمدحون به و لا ينبغي أن يتطلبوا بدعوتهم أن يمدحوا لكن هذا الواقع لأن الرسول عليه الصلاة و السلام قد قال في الحديث الصحيح ( إن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء ) طوبى مدح و ثناء على هؤلاء الغرباء وهو بالتعبير العامي " نيّالهم " و بالمعنى الشرعي شجرة في الجنة يسير الراكب تحتها مائة عام لا يقطعها فكأن هذا الحديث يهنئ الغرباء بالجنة التي فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ومنها هذه الشجرة التي جاء ذكرها في القرآن (( فطوبى لهم و حسن مئاب )) طوبى هذه لمن ؟ للغرباء ، من هم ؟ جاء التفسير من كلام الرسول عليه الصلاة و السلام ( الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي ) هؤلاء الغرباء الذين يحيون السنة و يدعون إلى إحياء السنة و إماتة ما يخالفها من البدعة يجب عليهم أن يراعوا الشرط الثاني في العمل الصالح أن يكونوا مخلصين في دعوتهم هذه لا يبتغون من وراء ذلك ظهورا و لا فخرا و لا ... و لا أي شيء مما يطيب للنفس الأمارة بالسوء و إنما هم يدعون لأن الله عز و جل أمر بالدعوة للكتاب و السنة و يدعون إلى ما غفل عنه جماهير المسلمين فحق لهم أن يُعنوا بهذه الدعوة لكنهم على خطر حينما توسوس نفس أحد هؤلاء الداعين إلى اتباع الكتاب و السنة أن يتكلم بكلام يبتغي فقط أن يشار إليه بالبنان لا يبتغي نصح الناس و لا إرشادهم و لا تعليمهم و إنما الظهور و هنا تأتي كلمة لبعض الصوفية وهم لهم حكم لا يمكن إنكارها وهي قولهم " حب الظهور يقطع الظهور " و هذا واقع لذلك ألح على هذا الشرط الثاني بالنسبة إلينا نحن الدعاة إلى السنة أن كون مخلصين في أعمالنا حتى إذا ما دخل عملنا معنا كان معينا مساعدا على حسن الجواب إذا سئلنا من ربك ؟ من نبيك ؟ ما دينك و ينيرنا من الظلمة التي تحيط بنا في قبورنا و هكذا أما إذا كان عملا طالحا فالعكس بالعكس هو يتبرأ من عمله حينما ينزل قبره فيأتيه في أقبح صورة فيسأله من أنت ؟ يقول له أنا عملك السيء و العكس بالعكس و لا أيضا نكثر أكثر من هذا فالقصد أن العمل الذي ينبغي أن يدخل معنا حيث فارقنا أهلنا و مالنا إنما هو العمل الصالح بشرطين اثنين الموافقة للكتاب و السنة و أن يكون خالصا لوجه الله تبارك و تعالى . السائل : قد تفضلتم فبينتم أن البدعة ... أظن أن كثيرا من الشباب لا يفقهون هذا المعنى ... الشيخ : اجعله سؤالا في آخر الدرس .
شرح الحديث التالي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ما لبس فأبلى.........) .
الشيخ : الحديث الذي بعده و هو أيضا صحيح و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( يقول العبد مالي مالي و إنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأقنى و ما سوى ذلك فهو ذاهب و تاركه للناس ) السائل : فاقتنى أو فأقنى ؟ فيه رواية فاقتنى . الشيخ : فأقنى أي فأرضى ، أيضا هذا الحديث يؤكّد الموضوع الذي دندنت حوله الأحاديث السابقة فهو يصور لنا اهتمام الإنسان بصفته إنسانا مطبوعا على حب المال و التكالب عليه كما أشار ربنا عز و جل إلى ذلك في القرآن بقوله (( وإنه لحب الخير لشديد )) يصور لنا الرسول عليه الصلاة و السلام جنس الإنسان و جنس العبد فيقول عليه الصلاة و السلام ( يقول العبد مالي مالي ) يهتم بماله لكن ما المقدار الذي له من ماله أله المال كله ؟ لا ، ليس له من ماله إلا هذه الصور التي صورها الرسول عليه الصلاة و السلام . الصورة الأولى قوله ( ما أكل فأفنى ) أي له من ماله ما لابد منه ليعيش و يحيا و يقوم بحق الله عز و جل الذي من أجله خلقه ألا و هو توحيده تبارك و تعالى و عبادته كما قال عز و جل (( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون )) فله من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى الأشياء التي لابد منها زيادة على ذلك يتطوّع فيعمل خيرا و هو قوله ( أو أعطى فأقنى ) أي تصدّق بماله ... فأرضى هؤلاء الذين تصدّق عليهم أو وهبهم أو منحهم فإلى هنا إذن المال الذي للعبد من ماله الكثير الكثير هو المقدار الذي يأكله و المقدار الذي يلبسه هذا ليحيا و ليعيش لكن هذا ليس مقصودا لذاته و إنما يعيش ليقوم بواجب عبادة الله كما قلنا آنفا . والنوع الثاني مما له أي يعود النفع إليه و ليس فقط يتعب لجمعه حوله هو أنه يعطي غيره فيرضيه يعطي من ماله و ليس هذا مما يقتصر على إخراج الزكاة المفروضة فقط و إنما يتعداها أيضا إلى الزكوات غير المفروضة كما شرحنا ذلك فيما أذكر في درس مضى . ثم بين عليه الصلاة و السلام نتيجة ما بقي من بعد هذه التصريفات في ماله فيقول ( و ما سوى ذلك فهو ذاهب و تاركه للناس ) علاقة هذا الحديث بما قبله إذن لماذا يتعب الناس لجمع المال و هذه هي حقيقة المال لا يستفيد منه إلا بمقدار ما يأكل و يشرب و يلبس و إلا بالمقدار الذي ينفع به الناس ثم ما سوى ذلك فهو يتركه و يبقى للناس الذين يرثونه .
شرح الحديث التالي وهو عن عبد الله بن الشخير قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ( ألهاكم التكاثر ) الآية . يقول العبد مالي مالي .....أو تصدقت فأمضيت ) .
الشيخ : الحديث الذي بعده وهو صحيح أيضا قال و عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال " أتيت النبي صلى الله عليه و سلم ... " لعلي ما قلت في الحديث السابق رواه مسلم عن أبي هريرة الذي يقول فيه قال الرسول صلى الله عليه و سلم ( يقول العبد مالي مالي و إنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأقنى و ما سوى ذلك فهو ذاهب و تاركه للناس ) رواه مسلم . الحديث الذي بعده وهو صحيح أيضا قال و عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال " أتيت النبي صلى الله عليه و سلم و هو يقرأ (( ألهاكم التكاثر )) " قال عليه الصلاة و السلام ( يقول ابن آدم مالي مالي ، و هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأمضيت ) هذا أيضا بمعنى الحديث الذي قبله و إنما اختلفت بعض ألفاظه ... هذا الحديث رواه مسلم و الترمذي و النسائي قال " و قد تقدّمت أحاديث من هذا النوع في الصدقة و في الإنفاق " الحديث في ألفاظه واضح المعنى و إنما قد يشكل على البعض قوله في آخره ( أو تصدّقت فأمضيت ) لو اقتصر على قوله تصدّقت ... يبدو لبعض الناس أن المعنى تمّ و وضح فلماذا قال عطفا على قوله ( أو تصدّقت فأمضيت ) ذلك ليلفت النظر عليه الصلاة و السلام أنه لا يكفي أن يتصدّق بأن يوصي مثلا و يقول أعطوا فلانا الفقير كذا و المسجد الفلاني كذا ... وصية و إنما الرسول عليه الصلاة و السلام يلفت النظر إلى أنه الصدقة المقطوع بفائدتها للمتصدّق هي التي يمضيها يعني ينفّذها في حياته لأنه لا يدري ماذا يحدث فيما لو وصى بها أن تصرف من بعد وفاته ولعل الرسول عليه الصلاة و السلام في هذه الكلمة أي ( فأمضيت ) يشير إلى حديث صحيح في البخاري لا يحضرني الآن لفظه و إنما معناه أن الرجل الشحيح البخيل هو الذي إذا حضره الموت أوصى و قال أعطوا لفلان كذا و لفلان كذا و لفلان كذا فيقول الرسول عليه الصلاة و السلام و قد كان هذا لفلان و فلان يعني أنت لم تعد تملك شيئا لأنك تودّع الدنيا إلى الآخرة فهذا المال سيبقى للناس من بعدك فهلا كان هذا قبل هذا ! أي هلا نفّذت و تصدّقت و أنت قوي تأمل الغنى و تخشى الفقر هذا من تمام لفظ الحديث الذي لا يحضرني الآن فإذن ( أو تصدّقت فأمضيت ) يعني أن تنفّذ الصدقة أنت في حالة حياتك و قدرتك و حالة كونك قويا شابا تأمل الغنى و تطمع فيه و تخشى الفقر كما هو طبيعة الناس اليوم يقول لك " خبي درهمك الأبيض ليومك الأسود " يخبي ماله لشيخوخته فالشاب لما يجمع المال يفكّر في مستقبل حياته فإذن هو حريص على أن يتمسّك بهذا المال فالكريم هو الذي يجود بهذا المال حينما تتعلق نفسه به أما لما يصبح على حافة قبره و يقعد يتكرم و يقول للبيت الفلاني كذا و البيت الفلاني كذا هذا هو الشحيح و ليس هو بالكريم لأن الكريم هو الذي يتصدّق حالة تعلقه بالحياة و حالة حبه للمال حبا جما .
الكلام على مسألة كون الظاهر عنوان للباطن وضرب الأمثلة على ذلك وأهمها حلق اللحى وبيان ضرر التشبه بالكفار .
الشيخ : الظاهر عنوان الباطن خلافا لما يتوهّمه كثير من الناس ممن لا يعقلون و لعل من المفيد أن نذكر بمثل واحد أو أكثر مما يغفل عنه الناس جل الناس أن له ارتباطا بصلاح القلب أو فساده ذلك ما ابتلي به جماهير المسلمين و بخاصة الشباب منهم من التزيّي و التشبه بالكفار و أسوء ذلك التشبه فيما فيه مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة كمثل قوله عليه الصلاة و السلام ( حفوا الشارب و أعفوا اللحى و خالفوا اليهود و النصارى ) فحلق اللحية أولا فيه مخالفة لهذا الأمر الصريح ( و أعفوا اللحى ) ثانيا فيه تشبه بالنصارى كما سمعتم في الحديث و كما هو الواقع فلا أريد أن أطيل البحث في هذه المسألة على أهميّتها لأني إنما تعرّضت لها عرضا و من هذا التزيي هو الإعراض عن لباس المسلمين في بلادهم كل منهم ينبغي أن يحافظ على زي بلده و لكننا نرى المسلمين جميعا في كل البلاد مع اختلاف عاداتهم و أزيائهم كما يدل على ذلك ما نشاهده في هذه البلاد التي تجمع من كل أطراف بلاد الإسلام نجد أزياء كثيرة و لكن لا اتحاد بينها و لا إشكال في ذلك لأن الشارع الحكيم لم يفرض على المسلمين زيا خاصا يجب عليهم أن يلتزموه و لكنه في الوقت نفسه فرض عليهم أن لا يلتزموا زيا خاصا هو زي الكفار فكأن المسلمين اليوم اتفقوا على أن يوحّدوا أزيائهم على النمط الأوروبي الكافر و لذلك فتجد السوري و المصري و و إلخ كلهم يلبسون القميص و البنطلون زيّ أوروبي و قليل منهم من يحافظ على زي بلده . هذا التشبه له أثره الفعال في قلوب المسلمين من حيث لا يحسون و لا يشعرون إطلاقا و لذلك فيجب أن نعنى في جملة ما نعنى بإصلاح الظاهر أيضا مع إصلاح الباطن لأن هذا الإصلاح الظاهر ينفذ بالصلاح إلى الباطن و الإفساد للظاهر ينفذ بالإفساد و بالفساد إلى الباطن هذه كلمة أردت أو ألهمت أن أقولها بمناسبة ذلك التفرق الذي وقع فيه بعضكم حينما وجد الأرض خالية ليس فيها زحمة و نحن نريد أن نحافظ على الأدب لسنا في ذلك مكرهين و إنما نحن في ذلك من المتّبعين لأوامر الرسول عليه الصلاة و السلام و سنّته الصحيحة
الشيخ : بعد هذا أريد أن أتكلّم بكلمة حول العلم النافع و العمل الصالح و أغتنم وجود بعض إخواننا السلفيين الذين جاؤوا إلى هذه البلدة الطيبة من الكويت فأقول يقول الله تبارك و تعالى في كتابه الكريم (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا )) .
الشيخ : في هذه الآية الكريمة علق ربنا تبارك و تعالى لقاء الله عز و جل من المسلم إياه لقاء يلقى عنده جزاؤه الحسن بأمرين اثنين : الأمر الأول أن يعمل صالحا ، و الأمر الآخر أن لا يشرك في عبادة ربه أحدا . و إذا كان الأمر كذلك ففي الآية تنبيه عظيم جدا على أن صلاح المسلم بقلبه و قالبه لا يتحقق إلا بشيئين اثنين إذا اختل أحدهما لم ينفعه الآخر شيئا . الأول العمل الصالح و الآخر الإخلاص لله في هذا العمل الصالح ... و إذا كان كذلك فلابد من أن نكوّن فكرة صحيحة كل بحسب استعداده العلمي إما مفصلا من كان طالب علم أو مجملا من كان دون ذلك أن يكوّن فكرة هكذا عن العمل الصالح ما هو و على الإخلاص لله عز و جل في هذا العمل كيف هو ؟ و ما الذي ينافيه ؟
الشيخ : أما العمل الصالح فقد ذكر العلماء أنه يشترط فيه شرطان اثنان قد جاء ذكر أحدهما في تمام الآية و في آخرها حينما قال تبارك و تعالى (( و لا يشرك بعبادة ربه أحدا )) أي يجب أن يتوفّر مع العمل الصالح الإخلاص فيه لله عز و جل و إلا لم يكن عمله صالحا و الأدلة على هذا الشرط حتى يكون العمل صالحا مقبولا عند الله الشرط هو الإخلاص في العمل الصالح لله الأدلة على ذلك من الكتاب و السّنّة كثيرة و كثيرة جدا فكلنا يعلم قول الله تبارك و تعالى (( و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء )) فالله عز و جل أمر عباده المؤمنين بأن يخلصوا في الدين و العبادة و التدين له تبارك وتعالى ثم جاءت السّنّة كما هي دائما عادتها مع القرآن الكريم تزيده بيانا و توضيحا الآية تقول ما أمروا إلا بالإخلاص لكن الأحاديث تبين أمرا زائدا ألا و هو أن عدم إخلاص المؤمن لله عزّ و جلّ في عمله الصالح يجعل عمله الصالح طالحا يعذب عليه يوم القيامة ليس فقط يمحى عمله الصالح فيأتي يوم القيامة لا له و لا عليه ليس الأمر كذلك بل يكون صاحب العمل الصالح الذي ما أخلص فيه لله عز و جلّ بل أشرك معه غيره صاحب هذا العمل خير منه الذي لم يعمله لأن الذي لم يعمله إن كان العمل فرضا فيعذّب على تركه للفرض أما ذاك الذي أتى بهذا الفرض و أشرك فيه مع الله و لم يخلص فيه لله فيعذّب ضعفين ، الضعف الأول لأنه ما أدّى الفرض فإذا أدّى الفرض و أراد به غير وجه الله فلم يؤدّ الفرض و الضعف الآخر أنه أشرك مع الله فهو إذن يعذّب على إضاعته للفرض و يعذّب على إشراكه مع الله في هذا الفرض من أجل ذلك كان الذي لم يأت بهذا الفرض أقل سوءا من ذاك الذي جاء بالفرض و أشرك فيه مع الله و لم يخلص فيه لله و أما إن كان نفلا غير مفروض فذاك الذي جاء به غير مخلص فيه يعذّب بسبب عدم إخلاصه ، بسبب إشراكه غير الله في عبادته أما الذي لم يأت بهذا النفل فلا له و لا عليه لأنه لم يضاه فرضا و لا أتى إثما بسبب عدم الإخلاص هذا ما وقع بينما الذي أتى النافلة و بالتطوع بالعبادة و أشرك فيه مع الله فهو مأزور غير مأجور عند الله تبارك و تعالى يوم القيامة .
الاستدلال بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم عن الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم وما جرى في قصة الحديث .
الشيخ : و الأدلة في هذا أيضا معروفة في السّنّة الصحيحة و من أخوفها و أشدها ترهيبا لقلب المؤمن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم جاء فيه أن أحدهم طلب من أبي هريرة أن يروي له حديث الثلاثة : العالم و المجاهد و الغني فاستعد أبو هريرة رصي الله عنه لرواية الحديث لكنه لم يستطع لأنه أجهش بالبكاء من هول ما استحضر مما في الحديث من وعيد شديد و مؤاخذة بالغة لأصناف ثلاثة هم تقريبا خير الناس مع ذلك فهم معذّبون و لم يفق أبو هريرة من غشيته إلا بعد أن نضح الماء على وجهه فاستأنف شيئا من نشاطه و تهيّأ لإلقاء حديثه و لكن سرعان ما غشي عليه المرة الثانية و هكذا المرة الثالثة حتى استجمع نفسه و قوته فبدأ يقرأ الحديث فقال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة : عالم و مجاهد و غني يؤتى بالعالم يوم القيامة فيقال له ماذا عملت فيما علمت ؟ فيقول يا رب نشرته بين الناس في سبيلك ، يقال له كذبت إنما فعلت ذلك ليقول الناس فلان عالم و قد قيل ، خذوا به إلى النار ) من هذا ؟ هذا الذي هو من الجنس الذي قال الله عز و جل في الثناء عليهم (( يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات )) هذا العالم الذي ألقي في النار كان من المفروض أن يكون من هؤلاء العلماء الذين يرفعهم ربهم تبارك و تعالى إليه درجات لكنه ألقي في النار لماذا ؟ لأنه أخل بشرط العمل الصالح المذكور في خاتمة الآية (( و لم يشرك بعبادة ربه أحدا )) فهذا أشرك مع الله في علمه الذي طلبه العباد و الناس لأنه لم يطلب العلم لينجو من الجهل وليصلح عقيدته و ليحسّن عبادته و ليعلم إخوانه ما كان قصده من طلب العلم شيء من ذلك و إنما ليقول الناس فلان عالم ليتصدر المجالس كما قال عليه الصلاة و السلام ( من طلب العلم ليباري به العلماء و يماري به السفهاء و يتصدر المجالس حرم الله عليه الجنة ) أو قال ( دخل النار ) السائل : و يجاري به السفهاء الشيخ : ويجاري به السفهاء ، لعل هناك رواية أخرى و يماري ، أو طلب العلم ليحسن الناس ظنّهم به و يتبركوا به و يطلبون الدعاء منه و يقبلوا يده بل ربما يديه أحيانا و تارة رجله و رجليه هذا أمر مشاهد اليوم كل ذلك يدل على أن هذا الجنس من العلماء ما كانوا مخلصين في علمهم لله فيكون مصيرهم عند الله أن يقول لزبانية جهنم ( خذوه إلى النار ) فيلقى في النار و في الحديث إشارة لقوله ( و قد قيل ) أي إن الذي ابتغيته و طلبته بعلمك قد حصلت عليه أي إنك قد أخذت الأجر عاجلا فخذ أجرك أي وزرك آجلا أي في الآخرة ( خذوا به إلى النار ) هذا الأول من الثلاثة فحُقّ لأبي هريرة أن يغشى عليه من البكاء المرة الأولى و الثانية و الثالثة لهول و لعاقبة هذا العالم الذي ما أخلص في علمه لله تبارك و تعالى ( ثم يؤتى بمجاهد فيقال له ماذا عملت فيما أعطيتك من قوة فيقول يا رب جاهدت في سبيلك فيقال له كذبت إنما جاهدت ليقول الناس فلان بطل -أو- فلان شجاع و قد قيل ) أيضا أنت أخذت أجرك ( خذوا به إلى النار فيلقى في النار ثم يؤتى بالغني فيقال له ماذا عملت فيما أنعمت عليك من مال فيقول يا رب أنفقته في سبيلك فيقال له كذبت إنما فعلت ليقول الناس فلان كريم و قد قيل خذوا به إلى النار ) فهؤلاء الثلاثة هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة فهذا حديث من أحاديث كثيرة يدلكم على أن الإخلاص في العمل الصالح لله هو شرط لابد منه فإذا اختل بطل العمل و ليس فقط كما ذكرنا آنفا بطل بل انقلب إلى وزر يعذّب عليه يوم القيامة كما دل هذا الحديث الصريح ومن تلك الأحاديث حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال " قال رجل يا رسول الله الرجل يقاتل حمية هل هو في سبيل الله ؟ " قال ( لا ) قال " الرجل يقاتل شجاعة هل هو في سبيل الله ؟ " قال ( لا ) قال " الرجل يقاتل عصبية ؟ هل هو في سبيل الله ؟ " قال ( لا ) قال " فمن في سبيل الله ؟ " قال ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) و هكذا فالأحاديث كثيرة و لا أريد أن أطيل أيضا لأن علينا الكلام حول العمل الصالح متى يكون صالحا مع افتراض وجود الإخلاص فيه من أجل هذه الأحاديث قال العلماء لا يكون العمل صالحا إذا كان خالصا لوجه الله عز و جل لم يشرك فيه شيئا .
بيان الشرط الثاني وهو موافقة السنة والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال العلماء الأعلام .
الشيخ : الشرط الآخر في العمل الصالح أن يكون مطابقا للسّنّة و هذا بيت القصيد من كلمتي في هذه الليلة بأن يعتقد أن الشرط الأول ما اختلف فيه المسلمون و الحمد لله فهو من المسائل الكثيرة التي لا يزالون متّفقين فيها بخلاف مسائل أخرى كثيرة لا يزالون مختلفين فيها إلا من رحم ربك ، فشرط الإخلاص هم متّفقون عليه و الحمد لله و ليس كذلك الشرط الثاني و هو أن يكون العمل الصالح مطابقا للسّنّة فمع الأسف الشديد إنهم لم يتّفقوا على هذا الشرط إن كثيرا منهم بل جمهورهم يعتقد أن العمل الصالح يكون صالحا لمجرّد مطابقته لعبادة من العبادات التي عرفت في الكتاب وفي السّنّة و إن كانوا على علم بأن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و السلف الصالح جميعا ما تعبدوا الله و لا تقربوا إليه بهذا العمل على الرغم من هذا فجماهير المسلمين اليوم يعتبرونه عملا صالحا أما نحن فنعتقد أن العمل الصالح لا يكون صالحا إلا إذا كان مطابقا للسنة و لو كان عليه صورة العبادة و لو كان في ظاهره طاعة فلا يكون عبادة و لا طاعة إذا كان مطابقا للسنة قد جاء به عليه الصلاة و السلام صراحة إما قولا و إما فعلا أما العمل الصالح الذي لم يجرِ عليه الرسول عليه السلام و الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح فهذا لا يمكن أن يكون عملا صالحا . أما الدليل على ذلك فمن القرآن الآية المشهورة (( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا )) ، لا يظهر استدلالي بهذه الآية على ما أنا في صدده من أنّ العمل الصالح لا يكون صالحا إلا إذا كان سبق تشريعه في الكتاب أو في السّنّة لا يظهر هذا الاستدلال إلا بشيء من البيان ولو بالنقل عن بعض الأئمة الأعلام من ذلك قول إمام دار الهجرة هذه المدينة الطيبة فقد كان يقول " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمّدا صلى الله عليه و سلم خان الرسالة اقرؤوا قول الله تبارك و تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا )) فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا و لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها " الشاهد من هذه الكلمة الطيبة من إمام دار الهجرة قوله " فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا " فالدين الذي يتديّنه اليوم كثير من الناس و لم يكن يومئذ دينا فهو ليس عملا صالحا بينما هم يعتبرونه عملا صالحا و يتقربون به إلى الله تبارك و تعالى هذا العمل لا يدخل في قوله تعالى السابق (( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا )) لأن العلماء علماء التفسير قالوا لا يكون صالحا إلا إذا وافق السّنّة و أخلص فيه لله عز و جل فما دامت السّنّة لم تأت بهذه العبادة أي عبادة و البدعة تعلمونها كثيرة و كثيرة جدا فهي ليست عبادة مقبولة لهذا الحديث المعروف في صحيح البخاري و مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ) مثل هذا الحديث هو عمدة الإمام مالك في كلمته السابقة حين قال " فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا " لأن الرسول صلى الله عليه و سلم يقول هذا المحدث مردود على صاحبه فإذا رد على صاحبه فذلك كناية عن عدم قبوله من ربه تبارك و تعالى كذلك مما يدل على أن العبادة التي أحدثت و طبعت بطابع العمل الصالح فليس من الصلاح في شيء لأنها بدعة من تلك الأحاديث حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خطب يوم الجمعة علا صوته و اشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول ( صبّحكم و مسّاكم ) " ثم يقول عليه الصلاة و السلام ( أما بعد فإن خير الكلام كلام الله و خير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ) حديث جابر يفيدنا أن نبينا صلى الله عليه و آله وسلم كان من عادته أن يفتتح خطبة الجمعة بمثل هذا الكلام ( أما بعد فإن خير الكلام كلام الله و خير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ) لماذا كان يكرر و يعتاد هذه الكلمات الطيبات بين يدي موعظته و خطبته يوم الجمعة ؟ ذلك ليركز و ليمكن هذه القاعدة العظيمة في قلوب السامعين ( كل بدعة و كل ضلالة في النار ) و قد تمكنت هذه العقيدة فعلا ... .