الشيخ : أما بعد ، فإن خير الكلام كلام الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و آله و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار
مواصلة الشيخ لشرح كتاب الترغيب والترهيب بشرح الحديث السادس عشر (عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا خطبة ما سمعنا مثلها قط فقال لو تعلمون ما أعلم لبيكتم كثيرا ولضحكتم قليلا.................) .
الشيخ : وصل درسنا الأخير من كتاب الترغيب و الترهيب للحافظ المنذري رحمه الله إلى الحديث السادس عشر في نسختي ، قال رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا خطبة ما سمعنا مثلها قط فقال ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وجوههم لهم خنين " رواه البخاري و مسلم و في رواية " بلغ رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال ( عرضت علي الجنّة و النار فلم أر كاليوم في الخير و الشّرّ و لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا ) فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما أشدّ منه فغطوا رؤوسهم و لهم خنين " قال الخنين بفتح الخاء المعجمة بعدها نون هو البكاء مع غنة لانتشار الصوت من الأنف هكذا ذكر المؤلف رحمه الله لتفسير لفظة الخنين و في كتب اللغة و شروح الحديث تفصيل زائد بعض الشيء فذكروا أن الخنين و الحنين بمعنى واحد هذا قول و القول الآخر و لعله أوضح و أظهر هو أن الخنين ما سمعتم تعريفه من المصنّف هو الصوت الذي يخرج في أثناء البكاء فيه شيء من الغنة لأنه يخرج من الأنف أما الحنين فيخرج من الصّدر هذا هو الفرق بين الخنين بالخاء المعجمة و الحنين بالحاء المهملة هذا الحديث هو قطعة من الحديث الطويل الذي قرأناه عليكم في الدرس الأخير فليس فيه شيء نحن بحاجة إلى التعليق عليه إلا كلمات موجزات قول أنس " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم خطبة ما سمعت مثلها قط " لم يعين هذه الخطبة لكننا إذا رجعنا إلى طرق هذا الحديث و إلى روّاته من الصحابة لوجدنا فيهم السيدة عائشة رضي الله عنها ولوجدنا هذه الجملة من هذا الحديث ( لو تعلمون ما أعلم ... ) إلخ هي آخر جملة جاءت في حديثها الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من طريقها تذكر أن الشّمس كسفت في عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلّم وقد ذكرنا لكم أيضا شيئا من قصّة هذا الكسوف و تذكر أن الرسول عليه السّلام رأى الجنّة و النار و شرحنا لكم أيضا شيئا من ذلك و أنه خطب فيهم وكان في أوّل ما قال ( إن الشّمس و القمر آيتان من آيات الله ... ) إلخ ثم ذكر عليه الصلاة و السلام في خطبته هذه أنه رأى عمرو بن لحي و رأى المرأة التي كانت تعذّب في الهرّة و رأى صاحب المحجن الذي كان يستعمل محجنه ليسرق أمتعة الحاج كل هذا ذكرته السّيّدة عائشة رضي الله عنها في حديثها هذا و قالت أن الرسول عليه الصلاة و السلام قال في هذه الخطبة ( لو كنتم تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا ) إذن نستطيع أن نحدد الخطبة التي أطلقها أنس في حديثه هذا بأنها خطبة الرسول صلى الله عليه وآله و سلّم في صلاة الكسوف ومما يؤكّد هذا الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف حين قال ، الرواية الأولى رواها البخاري و مسلم و في رواية بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أصحابه شيء فخطب فقال ( عرضت علي الجنّة و النار ) هذه الرواية الأخرى التي ذكرها المصنّف تؤكّد أن هذه الخطبة هي خطبته عليع السلام في صلاة الكسوف لأنه هناك رأى الجنّة و النار فإذن هذه الخطبة التي يشير إليها أنس بن مالك هي خطبته عليه الصلاة و السّلام في صلاة الكسوف ثم إن قوله في رواية بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أصحابه شيء أيضا هذا الشيء نكرة كالخطبة في الحديث السابق فيمكن أن يكون هذا الشّيء هو شيء مما يقع بين بعض الصحابة أحيانا من خصام من نزاع مما لا يخلو منه البشر عادة مهما سموا و علوا و يمكن و هذا الذي تميل نفسي إليه أنه يعني ما جاء في مناسبة صلاة الرسول عليه الصلاة و السلام لصلاة الكسوف أيضا فقد ذكرنا لكم في الدرس السابق أن الشمس لما كسفت في عهد النبي صلى الله عليه وآله و سلم اتّفق أن هذا الكسوف كان يوم وفاة ابنه إبراهيم عليهما الصلاة و السلام فقالوا " إنما كسفت الشّمس لموت عظيم " يعني إبراهيم ابن النبي فخطب عليه الصّلاة و السّلام فيهم بهذه الخطبة التي أوّلها ( إن الشمس و القمر آياتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلّوا و تصدّقوا و ادعوا ) فإذن كان من عادة الجاهلية أنهم إذا رأوا الشمس قد كسفت تنبّؤوا بذلك عن أن هناك موت شخص عظيم له منزلته في المجتمع فكانت هذه عادة جاهلية فبلغ شيء من ذلك إلى الرسول عليه السلام عن أصحابه و بطبيعة الحال أن هذا أمر جاهلي ما يكون منه عليه الصلاة و السّلام إلا أن يقضي عليه و يبطله لذلك قال ( إن الشمس و القمر آياتان ... ) إلى آخر الحديث إذن الشيء المنكّر هنا هو قول بعض الصحابة بناء على عادتهم في الجاهلية و قبل أن يأتيهم الهدى من الله عزّ و جلّ على لسان نبيّه عليه السّلام قولهم أن الشّمس كسفت لموت إبراهيم عليه الصلاة و السلام . فأنس هنا يروي بعض تلك الخطبة العظيمة التي وصفها بأنه ما سمع مثلها من النبي صلى الله عليه و سلّم فضلا عن أن يسمع مثلها عن غيره قط فهو روى بعضها و غيره فصّلها كالسيدة عائشة رضي الله تعالى عنها و قد كنت جمعت فوائد أحاديث الصحابة في قصة صلاة الكسوف هذه في رسالة وهي في الواقع فيها فوائد كثيرة لأنه تتبع الطرق يعطينا فوائد غامضة كانت في بعض الروايات كمثل هذا المثال الذي نذكره بالنسبة لإطلاق أنس الخطبة و إطلاقه أيضا لفظة الشيء هذا ما يمكن التعليق عليه من حديث أنس .
تعليق الشيخ على كلام المنذري فيما يتعلق بالتخريج .
الشيخ : ... إلا أنه هناك ملاحظة من الناحية الحديثية ذلك أن المؤلف قال في حديث أنس رواه البخاري و مسلم وفي رواية فهو هاهنا نكّر هذه الرواية ما قال رواه البخاري و مسلم و في رواية لهما أو للبخاري أو لمسلم ففي هذه الحالة الذي يتبادر و الذي يفهم اصطلاحا أن هذه الرواية تكون لمن نسبت الرواية الأولى إليه وما دام أن الرواية الأولى هنا نسبت إلى الشيخين فإذن الرواية الأخرى تكون أيضا للشيخين لكنّ الواقع ليس كذلك ، الواقع أن هذه الرواية الأخرى هي لمسلم و الأولى للبخاري فكان يحصل التوزيع أن يقال مثلا كما هي عادة المؤلّف في كثير من المواطن و غيره أن يقال رواه البخاري و اللفظ له و مسلم و لفظه كذا أو إذا أراد الإختصار يقول رواه البخاري و مسلم و لفظه فيفهم أيضا أن الرواية الأولى للبخاري إذن التخريج الصحيح لهذا الحديث أن الرواية الأولى للبخاري و الرواية الأخرى لمسلم فلا البخاري روى رواية مسلم و لا مسلم روى رواية البخاري وبهذا الحديث تنتهي أحاديث الباب السابق وهو الترغيب في الخوف .
شرح باب الترغيب في الرجاء وحسن الظن بالله سيما عند الموت وشرح حديث أنس أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.............)
الشيخ : الآن باب يقابل ذلك الباب يقول " الترغيب في الرجاء وحسن الظّنّ بالله عزّ و جلّ سيما عند الموت " قال في الحديث الأول وهو حسن الإسناد عن أنس أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي و قال حديث حسن قال قِراب الأرض بكسر القاف و ضمّها أشهر هو ما يقارب ملأها ... معروف عند المحدّثين أنه يسمّى بالحديث القدسي و الحديث القدسي هو كل قول يعزوه رسول الله صلى الله عليه و سلّم إلى ربّه تبارك و تعالى و ليس قرآنا فهو كلام الله و لكن هذا الكلام ليس قرآنا يتلى .
تنبيه الشيخ على بعض الأحاديث القدسية المشهورة والتي لا أصل لها .
الشيخ : فهناك أحاديث كثيرة من هذه الأحاديث القدسية لكنّها بجانب الأحاديث النبوية العادية قليلة جدّا فيكثر في هذه الأحاديث القدسية أيضا ما لا يصحّ هناك أحاديث قدسية كثيرة و بعضها شهيرة بين الناس و لكنّها مما لا أصل له من الحديث مثلا كلّكم يسمع " ما وسعتني أرضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن " هذا حديث لا أصل له و إنما هو من الإسرائليات يعني ما جاء في كتب الأوّلين من اليهود و النصارى أما أن الرسول عليه الصلاة و السّلام تكلّم بمثل هذا الكلام فذلك مما لا أصل له و أيضا من الأحاديث المشهورة أن الله عزّ و جلّ قال حديث " من توضّأ و لم يصلّ فقد جفاني ، ومن صلى و لم يدعني فقد جفاني و لست برب جاف " فهذا الحديث هو الجاف لأنه لا أصل له في أحاديث الرسول عليه السلام .
رجوع الشيخ إلى شرح حديث أنس وبيان عظيم فائدة الدعاء وأنه من أعظم العبادات .
الشيخ : لكن يقابل هذا أحاديث قدسية صحيحة بعضها في الصحيحين وبعضها في السّنن ومن هذا القسم حديثنا في هذه الليلة يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلّم يقول ( قال الله تعالى يا ابن آدم إنّك ما دعوتنتي و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أبالي ) هذا الححديث فيه ترغيب للمسلم على أن يكون دائما ظنّه بالله عزّ و جلّ حسنا راجيا منه أن يعامله بفضله و لا أن يعامله بعدله تبارك و تعالى و لكن هنا شيء يقول ( ما دعوتني و رجوتني ) هذا الشيء ينبغي أن نقف عنده و أن ندندن حوله شيئا قليلا ( ما دعوتني ) فيجب أن نعلم أن توجّه المسلم إلى الله عزّ و جلّ متضرعا خاشعا بين يديه في دعائه هو من أعظم العبادات التي جاء بها الإسلام كما قال ربنا عزّ و جلّ في القرآن (( وقال ربّكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين )) قال علماء التفسير بناء على هذا الحديث الصحيح (( إن الذين يستكبرون عن عبادتي )) أي عن دعائي ذلك لأن استكبار الإنسان عن دعاء الله عزّ و جلّ هو استكبار عليه و استغناء عن رحمته و مغفرته و هذا لا يفعله إلا أكبر المكابرين ولذلك استشهد عليه الصلاة و السلام بهذه الآية على قوله حين قال ( الدعاء هو العبادة ) و تلى هذه الآية (( و قال ربكم ادعوني أستجب لكم )) إلى آخرها و ليس صحيحا هذا الحديث في اللفظ المشهور على ألسنة الناس " الدعاء مخّ العبادة " هذا ليس صحيحا و إنما الصحيح الثابت عن الرسول عليه الصلاة و السلام هو اللفظ الأول ( الدعاء هو العبادة ) وهذا أبلغ من اللفظ الضعيف الغير الصحيح خلافا لما يظنّه بعض الناس لأن قوله عليه الصلاة و السلام ( الدعاء هو العبادة ) هو على وزان أو نحو قوله ( الحج عرفة ) يعني كأن العبادة كلّها هي الدعاء و كأن الحج كله هو الوقوف بعرفة فهذه مبالغة عظيمة جدّا في تقدير وزن الدعاء من حيث كونه عبادة ومن حيث وزن الحج من كون أن الوقوف بعرفة ركن أساسي في الحج وليس كذلك في الحديث الضعيف " الدعاء مخّ العبادة " فهو يجعل العبادة قسمين مخّ و قشر و كان هذا بلاء لكثير من الناس اليوم في هذا العصر حينما تلفت نظره إلى بعض الأمور الهامّة إما أن يكون مما أمر الله أو رسوله بها أو نهى عنها يقول لك اتركوننا من القشور هذه ! شيء جاء به رب العالمين و تحدّث به رسوله الكريم يوصف بأنه قشر أوّلا !! و بناء على هذا الوصف الباطل يقال دعونا منه ثانيا !! هذا انحراف عن الإسلام خطير جدّا لذلك نحن لا نسلّم بأن في الإسلام قشرا و لبّا و إن كنّا نعرف أنّ أحكام الإسلام ليست تساق مساقا واحدا هذا لا شكّ فيه فنعرف أنه هناك فيما يتقرب به الإنسان إلى الله عز و جلّ ما هو فرض و ما هو نفل فهذا الفرض إذا قصّر فيه يأتي يوم القيامة بمقدار تقصيره و مقابل هذا الفرض النفل فإذا لم يأت بشيء من النفل لا يؤاخذ عليه كذلك هناك محرّمات و هناك مكروهات بهذا التفاوت لكن لا يصح أن نسمّي أقل حكم مرغوب فيه إسلاميّا بأنه قشر لأن هذا اللفظ فيه إهانة لهذا الحكم الشرعي مهما كان إيش حكمه يسيرا كيف لا و قد ذكرت لكم مرارا و تكرار أنه عليه الصلاة و السّلام قال ( أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة فإن تمّت فقد أفلح و أنجح و إن نقصت فقد خاب و خسر ) في الحديث الآخر عن أبي هريرة ( فإن نقصت قال الله عزّ و جلّ لملائكته انظروا هل لعبدي من تطوّع فتتموا له به فريضته ) إذن هذا التطوّع هو إن كان هناك حكم في الشّرع يصحّ ويجوز لمسلم أن يسمّيه قشرا فهو هذا التطوّع لأنه لو تركته ما عليك من مسؤولية يوم القيامة لكن لم يأت هذا الإصطلاح أوّلا و ثانيا رأيتم قيمة هذا التّطوّع الذي قد يسمّيه بدون أي مبالغة بعض الناس اليوم أن هذا قشر أما قيمته عند الله عزّ و جلّ يكمّل نقص الفريضة التي يكون المسلم المكلّف بها قد قصّر فيها إما كمّا من حيث الأداء فقد فاته كثير من الفرائض و إما كيفا أي من حيث صورة الأداء فهو قد يستعجل في صلاته قد ينقرها نقر الغراب قد لا يخشع فيها إلا قليلا إلخ فهذه النواقص كلّها تستغرق من التطوع إذن ليس في الإسلام شيء يصح أن نسميه قشرا على أنني أقول ... الناس الذين انحرفوا في فهم الإسلام بعيدا فجعلوه قسمين لبا و قشرا نقول لا يمكن المحافظة على اللب إلا بسلامة القشر فإذن لابد من هذا القشر إن صحّ تسميته وهذه الحقيقة نلمسها في الأمور الماديّة إذن في الإسلام يمكن أن يقال أن له سياجا يحيط بالإنسان و يحفظه وهذا مما جاء الإشارة إليه في حديث النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول ( إن الحلال بين و الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إنّ حمى الله محارمه ألا و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) أي هذه الأمور المتشابهة التي تشكل على بعض الناس فلا يظهر له أهي من المحرّمات أم من المحللات فعليه أن يجتنبها لأنه من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . إذن ( ما دعوتني ) الدعاء هنا هو العبادة كما سمعتم في حديث الرسول صلى الله عليه وآله و سلّم فيجب على المسلم أن يكون دائما متوجّها بقلبه و قالبه إلى ربه عزّ و جلّ يدعوه أن يغفر له .
تنبيه الشيخ على بطلان ما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام من قصة جبريل معه عندما هم قومه بإلقائه في النار وبيان أن هذا مسلك للصوفية ومما يذكر من كلامهم أن طلبك منه تهمة له .
الشيخ : و ليس أيضا صحيحا ما ينسب إلى أبينا إبراهيم عليه الصلاة و السّلام أنه حينما همّ قومه بإلقائه في النار بعث الله إليه جبريل عليه السلام فقال له هل لك من حاجة إلى ربّك ؟ قال علمه بحالي يغنيني عن سؤالي هذا أيضا حديث صوفي أقول صوفي لأنه بعض الصّوفيّة غلوا في جملة ما غلوا فيه فركنوا إلى ترك هذه العبادة العظيمة التي جعلها الرسول عليه السلام أسّ العبادة حين قال ( الدعاء هو العبادة ) فماذا قال بعض الصوفية ؟ قالوا سؤالك منه تهمة له !! يقولون الشراح لأن كلمات الصوفية كالأحاديث النبوية كما أن الأحاديث النبوية لها شراح كذلك الكلمات الصوفيّة لها شراح فقالوا في شرح هذه الكلمة طلبك منه أو سؤالك منه تهمة له لم ؟ قالوا لأنه يعلم السر و أخفى فلماذا تسأله ألا يعلم ما في نفسك فغفل هؤلاء عن المعنى الذي يتظمّنه توجّه العبد إلى ربه بدعائه أنه منتهى الخضوع و إظهار العبوديّة و الحاجة إليه فاعتمادك فقط على علمك أن الله عزّ و جلّ يعلم ما في نفسك هذا ليس له علاقة بعبوديّـتك و إنما له علاقة بربوبية ربّك تبارك و تعالى و الواجب علينا نحن أن نثبت عبوديّتنا له بالإضافة إلى ... ربوبيته و ألوهيّـته تبارك و تعالى فحينما يقول ذلك القائل طلبك منه تهمة له قضى على العبودية المتعلّقة به و اعتمد على أن الله عزّ و جلّ يعلم السّر و أخفى ولذلك تجد القرآن و أحاديث الرسول عليه الصلاة و السّلام في مئات النّصوص عن الأنبياء و الأولياء و الصالحين دائما يدعون الله عزّ و جلّ وما أكثر الآيات عن إبراهيم عليه السلام (( ربّنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير زرع عند بيتك المحرم )) إلى أواخر السورة تقريبا و دعاء نوح عليه السلام و دعاء يعقوب يعني يمكن الإنسان يجمع أدعية الأنبياء و الرّسل في رسالة فسيجدها كثيرة و كثيرة جدّا و قد قال تعالى (( يدعوننا رغبا و رهبا )) هذه صفة من ؟ صفة عباده المصطفين الأخيار لذلك فخطأ كبير جدّا أن نعرض عن الدّعاء دعاء الله عزّ و جلّ بحجّة أن الله عزّ و جلّ يعلم السّرّ و أخفى و يعلم الحاجة التي يريدها أحدنا ، نقول نعم لكن هو أيضا يريد منّا أن نتذلّل له و أن نخضع له و أن نسأله لذلك جاء الحثّ في بعض الأحاديث عن الرسول عليه السّلام أن يسأل أحدنا ربّه و لو شسع نعله شو رأيكم ؟ الرسول صلى الله عليه و سلّم حضّ المسلمين إلى أن يسألوا الله عزّ و جلّ أحقر شيء و هو السّير تبع ... أو تبع الشاروخ النعل انقطع فيسأل ربّه أن يسخّر له إنسانا يرقّع له ويفك له إياها إلى هذا فهنا مسألة الشسع أمر حقير لكن التوجّه إلى الله أن تطلب منه أن يعالج لك هذا الأمر الحقير هو إثبات لحاجتك و عبوديّـك لله عزّ و جلّ فكيف لا تسأله الجنّة و لا تسأله أن يعيذك من النار ولا تسأله كما سأل الرسول عليه السلام ( اللهم إني أسألك الجنّة و ما قرّب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار و ما قرّب إليها من قول أو عمل )
تتمة شرح الشيخ للحديث القدسي المروي عن أنس وكلامه على الفقرة الثانية وهي قوله (فاستغفروني أغفر لكم ) وبيان ما يتعلق بذلك من بقية الأحاديث .
الشيخ : ... سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي و قال حديث حسن ، قراب الأرض بكسر القاف و ضمّها أشهر هو ما يقارب ملأها ثم قرأنا هذا الحديث عليكم في الدّرس الماضي و علّقنا بما يسّر الله تبارك و تعالى على الجملة الأولى منه و بخاصّة قوله عليه الصّلاة و السّلام عن ربّه ( يا ابن آدم إنّك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أبالي ) فبيّنّا أن الدّعاء في الإسلام له أهمّية عظيمة جدّا و أن الدّعاء و اللّجأ و التّضرّع إلى الله عزّ و جلّ هو سنّة الأنبياء و أنّ مما أصيب به بعض الناس من الانحراف عن الإسلام قولهم إنّ الدّعاء لا يلجأ إليه المخلصون الواقفون لله عزّ و جلّ حتّى قال قائلهم " طلبك منه تهمة له " و بيّنّا أن هذا انحراف عن هذا الحديث وما في معناه من أحاديث بل و آيات كثيرة أشرنا إلى بعضها ليلة إذٍ . و الآن نتابع التّعليق على ما بقي من هذا الحديث فالرّسول صلى الله عليه و سلّم يحكي عن ربّه أنه قال ( يا ابن آدم إنّك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أبالي ) و الغرض من هذه الفقرة هو لفت نظر المسلم أن يكون دائما راغبا إلى الله عزّ و جلّ متضرّعا إليه أن يغفر له ذنوبه و أن لا ينسى أنّه بحاجة إلى عفو ربّه عزّ و جلّ و مغفرته قال تعالى ( يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك ) عنان السّماء يعني السحاب وهذا كناية على أن العبد المسلم مهما كانت ذنوبه كثيرة بحيث أن بعض الناس ضعفاء الإيمان قد يقعون في اليأس من أن يغفرها الله عزّ وجل هذه الذّنوب له لكثرتها و لهولها و لخطورتها ففي هذا الحديث لفت نظر العبد أن لا ييأس من روح الله لأنه (( لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )) وهذا نص القرآن الكريم و إنما على العبد أن يتوجّه إلى الله تبارك و تعالى بقلب خالص في عبادته لربّه أن يغفر له ذنوبه فالله عزّ و جلّ يغفر هذه الذّنوب مهما كانت كثيرة ولو بلغت السّحاب فالله عزّ و جلّ غفور رحيم ولكن هنا ملاحظة لابدّ من التّذكير بها مرّة بعد أخرى ففي هذا الحديث تطميع للعبد لاشكّ في مغفرة الله عزّ و جلّ و عفوه الواسع لكن ذلك منوط و مربوط بطلب العبد من ربّه عزّ و جلّ أن يغفر له ، فليس هذا التطميع المذكور في هذا الحديث للعبد في عفو الله عزّ و جلّ هو مجرّد أمل من العبد أن يغفر الله له ذنوبه مهما كانت كثيرة و إنما ذلك بقيد و بشرط أن يستغفر الله عزّ و جلّ لأنّه يقول ( لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك ) إذن فهذا أيضا تأكيد لضرورة توجّه العبد بالدّعاء إلى الله عزّ و جلّ و طلب المغفرة منه و يؤيّد هذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم و لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ) فهذا الحديث يصرّح بأن المغفرة التي يطمّع ربّنا عزّ و جلّ فيها عباده هي مربوطة بتوجّه العباد إليه بطلبهم المغفرة منه و ليس في هذا الحديث كما يتوهّم بعض الغافلين التّشجيع على الإكثار من الذّنوب لأن الحديث يقول ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ) فيأخذون الطرف الأول من الحديث و يستنبطون منه حض المسلم على التوجّه إلى معصية الله عزّ و جلّ لكن الحقيقة أن الحديث لم يسق من أجل هذا و لا يعقل أن يكون في الشّرع تطميع من الله عزّ و جلّ للعباد على المعصية و إنما سيق الحديث إلى تلافي ما قد يقع فيه الإنسان من المعصية و الذّنوب أن يتلافى ذلك بماذا ؟ بالإستغفار و التّضرّع إلى الله عزّ و جلّ بأن يغفر له لذلك قال ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم و لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله ) لم يقل جاء بقوم يذنبون فيغفر الله لهم و إنما قال ( يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ) إذن المغفرة منوطة بطلب العبد لها من الله تبارك و تعالى و في ذلك إثبات كما شرحنا ذلك في الدّرس الماضي لعبوديّة العبد و خضوعه لربّه عزّ و جلّ و عدم استغنائه عن عفوه و مغفرته . في هذا الحديث حديث أبي هريرة الذي ذكرته آنفا إشارة إلى طبيعة الإنسان التي فطره الله تبارك و تعالى عليها وهي أن الإنسان لم يطبع و لم يفطر على عدم المعصية لأن الله تبارك و تعالى بحكمته خلق المخلوقات على قسمين قسم مكلّف و قسم غير مكلّف . القسم المكلّف يشمل الإنس و الجنّ و الملائكة ثم جعل هذا القسم قسمين قسما معصوما عن المعصية و هم الملائكة فقط وذلك قول الله تبارك و تعالى (( لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون )) فملائكة الله هذه صفتهم أنّهم لا يعصون الله تبارك و تعالى و إنّما طبيعتهم أن يأتمروا بأمر الله عزّ و جلّ ومن هنا نستطيع أن نذكّر ببطلان القصّة التي تنسب لهاروت و ماروت و يزعمون أنّهما كانا ملكين و أن الله عزّ و جلّ أنزلهما من السّماء لتعليم الناس السّحر يوم كان السحر مهنة و صنعة تستغلّ لإضلال الناس و حملهم على الخضوع للملوك المتجبّرين و أنّ هؤلاء لما نزلوا إلى الأرض افتتنوا في قصّة طويلة بامرأة جميلة فلم يزالا بها حتّى وقعا عليها و فتنتهما عن دينهما فمسخهما الله عزّ و جل و مسخ المرأة فجعلها هي النّجمة المعروفة بالزهرة فهذه القصّة تروى مع الأسف في بعض كتب التفسير و الحديث لكنّها قصّة لا تثبت نسبتها إلى النّبي صلى الله عليه و آله و سلّم و إنما هي من الإسرائليات وهي تخالف الآية السابقة (( لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون )) فكيف ينسب إلى الملائكة بأنهم شربوا الخمر و زنوا بتلك المرأة هذا مستحيل لذلك فالقسم الأول أن الله عزّ و جلّ خلق الملائكة لا يعصون الله كما قال في القرآن الكريم و خلق الثّقلين الإنس و الجنّ مفطورين على المعصية و لكنّ الله عزّ و جلّ لحكمته مكّنهم و قدّرهم على أن لا يغرقوا في المعصية أولا ثم إذ فطرهم على المعصية فقد مكّنهم على الخلاص من أوزارها و آثامها بأن يلجؤوا إلى الله عزّ و جلّ و أن يطلبوا منه المغفرة فالحديث السابق ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ) يعني أن الله عزّ و جلّ سبقت إرادته و حكمته بأن يخلق الخلق المكلف على قسمين قسم لا يعص الله وقسم آخر يعص الله فيقول للبشر ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ) ليكون هناك خلق آخر غير خلق الملائكة و لتظهر صفة أو أثر من آثار صفة من صفات الله عزّ و جلّ في خلقه ألا و هي صفة المغفرة غفور رحيم فلو لم يكن هناك خلق يعصي الله عزّ و جلّ فليس هناك أثر لصفة الله عزّ و جلّ التي هي المغفرة فإذن في هذا الحديث بيان لواقع هذا القسم المكلّف الذي فُطر على المعصية أن لا يتواكل على هذه الفطرة فيقول ما دام أنّنا خلقنا لسنا معصومين كالملائكة فلابد من المعصية فالجواب نعم لابدّ من المعصية ولكن هذه المعصية قد تكون صغيرة و قد تكون كبيرة و باستطاعة الإنسان أن يجاهد نفسه و أن لا يقع في القسم الأكبر منها أما الشّيء القليل منه فلابد منه ليظهر في هذا الإنسان المكلّف صفة مغفرة الله عزّ و جلّ فيه فنؤّكد و نقول لابد للإنسان أن يخطئ لأن الله عز و جلّ قدّر هذا في خلق الإنسان بخلاف الملائكة كما أكّد ذلك أيضا عليه الصلاة و السّلام في الحديث المعروف صحّته برواية الإمام البخاري و مسلم له عن النبي صلى الله عليه و سلّم قال ( كتب على ابن آدم حظّه من الزّنا فهو مدركه لا محالة ) كتب على ابن آدم موش على الملائكة ( كتب على ابن آدم حظّه من الزّنا فهو مدركه لا محالة ، فالعين تزني و زناها النّظر و الأذن تزني و زناها السمع و اليد تزني و زناها البطش و الرجل تزني و زناها المشي و الفرج يصدّق ذلك كلّه أو يكذّبه ) هذه المقدّمات وهي من صغائر الذّنوب كتبت على الإنسان فهو مدركها لا محالة ، فإذن الشّطر الأول من الحديث ( لو لم تذنبوا لذهب الله بكم و لجاء بقوم يذنبون ) يريد أن الله عزّ و جلّ اقتضت حكمته أن يخلق مقابل الملائكة الذين لا يعصون الله بشرا يعصون الله و لكن لم يخلقهم يعصون الله مضطرّين مرغمين مقهورين و إنما لهم الخيرة في ذلك مع ذلك فمهما اختاروا أن يتقوا الله عزّ و جلّ و أن يبتعدوا عن الذّنوب و المعاصي فلابد من أن تزلّ بهم القدم قليلا أو كثيرا لكن الله عزّ و جلّ جعل لهم مخرجا فقال ( فاستغفروني أغفر لكم ) كما في الحديث القدسي الآخر أيضا الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ( يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلّكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم )( كلّكم ضال إلا من هديته ) إذن هل نتواكل على هداية الله عزّ و جلّ كما يقول عامة الناس الفاسقين حينما يدعون إلى أن ينقلبوا إلى صالحين فيقال له اتّق الله فيقول يا أخي الهداية من الله عزّ و جلّ فإذا أراد أن يهدينا هدانا ، نعم هدانا لتطرق الباب لتسمع الجواب قال تعالى في هذا الحديث ( فاستغفروني أغفر لكم ) كل هذه الأحاديث يأخذ بعضها برقاب بعض و ترتقي إلى هذه الحقيقة ألا وهي أن الإنسان إذا كان قد جُبل على المعصية أو بعض المعصية فليس معنى ذلك أن يظل في معصيته ملوّثا بأدرانها و أوساخها و إنما عليه أن يسلك سبيل التّطهر منها و ذلك بأن يتوجّه إلى الله عزّ و جلّ و أن يطلب له منه مغفرته .
شرح بقية الحديث وهو قوله( يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا...) وبيان عظم التوحيد .
الشيخ :( يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) في هذه الفقرة الأخيرة من الحديث لفت نظر المسلم إلى سبب هو أعظم الأسباب التي يستحق بها المسلم مغفرة الله عزّ و جلّ و لو بعد لأي أو بعد زمن وهو التّوحيد والخلاص من الإشراك بالله تبارك و تعالى لأنه يقول في هذا الحديث أن العبد لو جاء ربّه بقراب الأرض معاصي لكن جاء ربّه يوم القيامة موحّدا لا يشرك به شيئا جاءه بمثل ذلك ذلك مغفرة ففي هذا الحديث إلى الآية الشهيرة (( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) لذلك كان أول ركن من أركان الإسلام أن يعبد المسلم ربّه وحده لا شريك له لأن كلّ معصية بعد ذلك تهون و على العكس من ذلك كل طاعة مع الشّرك بالله عزّ و جلّ لا تفيد صاحبها شيئا كما جاء ذلك صريحا في أكثر من آية في القرآن الكريم إذن ( ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) هنا يقال إذا كان المجيء بالتوحيد منزّها عن الشّرك بجميع أنواعه هو سبب شرعي لاستحقاق مغفرة الله تبارك و تعالى فلماذا إذن الحض في بعض الفقرات السابقة على الإستغفار ؟ هناك ذكرنا أن الحديث يحض المسلم على أن يتوجّه إلى الله عزّ و جلّ بأن يطلب منه مغفرته بينما في الشطر الأخير من الحديث يقول لو لقيتني لا تشرك بي شيئا و جئتني بقراب الأرض معاصي و ذنوبا جئتك بمثلها مغفرة فيبدو هنا لبعض الناس أن هناك شيء من التناقض و التباين هناك يقول لابد من الإستغفار من طلب المغفرة من الله هنا يقول إذا جئتني بالتوحيد جئتك بما يقابل معاصيك مغفرة ؟ و الجواب أنه لا تناقض هناك إطلاقا لأن الموحّد إذا جاء يوم القيامة موحّدا لا يشرك بالله شيئا مهما كانت معاصيه كثيرة فلابد أن يغفرها الله له و لو بعد لأي كما قلت في أول ... لهذه الجملة بينما إذا توجّه إلى الله عزّ و جلّ بدعائه و الإستغفار منه فيغفرها الله له و يأتي يوم القيامة و ليس في صحيفته أي معصية أو أي ذنب فإذن الموحّد إذا استغفر الله كان بسبب استغفاره إلى الله عزّ و جلّ طاهرا من المعاصي أما هذا الموحّد إذا لم يستغفر الله عزّ و جلّ ولم يدعه أن يغفر له فيكون توحيده يوم القيامة منجيا له من أن لا يغفر له مطلقا كما هو شأن الكفار كما قال الله عزّ و جلّ في الآية المشار إليها آنفا (( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) و يمكن تفسير هذه الجملة الأخيرة من هذا الحديث بالحديث الآخر ألا و هو قوله عليه الصلاة و السّلام ( من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره ) أي إنّ هذه الشّهادة تنفع قائلها مخلصا بها يوما من دهره في يوم القيامة في المحشر أي إنه لا يخلد مع الكافرين الخالدين في النار فهذه مغفرة بلا شكّ أما إن أراد الإنسان المغفرة الكاملة بحيث لا يمسّه شيء من العذاب فلازم عليه أن يلجأ دائما إلى الله عزّ و جلّ و يتضرّع لديه بأن يغفر الله له كلّ ذنوبه .
شرح الحديث الثاني وهو حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال كيف تجدك فقال : أرجوا الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي.......) .
الشيخ : الحديث الثاني وهو حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال ( كيف تجدك ؟ ) قال " أرجوا الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي " فقال رسول الله صلى الله عليه و سلّم ( لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو و أمّنه مما يخاف ) رواه الترمذي و قال حديث غريب و ابن ماجه وابن أبي الدنيا كلّهم من رواية جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس قال الحافظ يعني المنذري إسناده حسن فإن جعفرا صدوق صالح احتجّ به مسلم و وثّقه النسائي و تكلم فيه الدارقطني و غيره .
كلام الشيخ على إسناد الحديث وتعليقه على كلام المنذري .
الشيخ : في هذا الحديث في إسناده كلام أشار إليه المصنّف لكنه انتهى إلى أنّ الحديث حسن أي ثابت في مرتبة دون مرتبة الصّحّة وهذه المرتبة هي التي تعرف عند المحدّثين بمرتبة الحسن و السّبب أن فيه رجلا اسمه جعفر بن سليمان الضّبعي وهو مع كونه من رجال مسلم فقد تكلّم فيه بعض العلماء كالدارقطني و غيره من حيث حفظه و الحقيقة أن الباحث لما يدرس ترجمة هذا الراوي جعفر بن سليمان يجد فيه هذا الكلام في الضّعف و لكن ذلك لا يسقط حديثه لا يجعله في مرتبة الضّعيف الذي لا يحتجّ به و لا يجوز روايته إلا مع بيان ضعفه و إنّما ينزل حديثه من مرتبة الصّحّة إلى مرتبة الحسن لكن أنا شخصيا أشرت و رمزت لهذا الحديث على هذا الكتاب بأنه صحيح وذلك لأنني وجدت له شاهدا فبهذا الشاهد ارتقى من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحيح
الشيخ : هذا الحديث يحكي أن النبي صلى الله عليه و سلّم دخل على شاب و هو في الموت يعني في الإحتضار فقال له عليه الصلاة و السّلام ( كيف تجدك ؟ ) يسأله عن تعلّقه بربّه فقال " أرجو الله عزّ و جلّ يا رسول الله و إنّي أخاف ذنوبي " فهو في هذه الحالة آخر حياته يعيش بين مرتبتي الخوف و الرّجاء فهو يخاف ذنوبه لأنه يعترف بأنه كان مسرفا على نفسه كان جانيا عليها فهو لا ينكر هذه الحقيقة فيخشى عاقبة ذلك أن يحاسبه الله عزّ و جلّ و لكنّه مع ذلك يرجو الله و يأمل منه أن يعامله بفضله و أن لا يعاقبه على ذنبه فأجابه عليه الصلاة و السّلام على الفور قال ( لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن ) الذي هو موطن الخلاص الدنيا و الإنتقال إلى البرزخ ( لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو و أمّنه مما يخاف ) ففي هذا الحديث إذن حضّ للمسلم على أن يحسّن ظنّه بربه تبارك و تعالى و أن يطمع في مغفرته عزّ و جلّ لذنوب هذا العبد و في الدرس الآتي تأتي أحاديث صريحة في حض المسلم على أن يعيش محسنا لظنّه بربه تبارك و تعالى لأن الله عزّ و جلّ عند حسن ظنه به .