كلام الشيخ على مسند الإمام أحمد رحمه الله .
ذكر الشيخ لسبب كثرة مرويات أبي هريرة .
إذًا هذا الحديث يعطينا معنى الحكمة المعروفة " من جدّ وجد " " وبقدر الكد تكتسب المعالي " فإذًا نأخذ من هذا الحديث عن أبي هريرة أمرين اثنين وهي والأول منهما ما له علاقة بصلب الموضوع وهو قناعة الصحابة بالعيش القليل وعدم انصرافهم إلى التمتع بالدنيا وإن كان هذا التمتع مباحا .
والشيء الآخر الذي نأخذه أن الإنسان باجتهاده وبتخصصه في أمر ما ينبغ فيه ويتفوق فيه على الآخرين ولو كانوا أقدم منه علما وأكبر منه سنا .
شرح الشيخ لأثر محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة رضي الله عنه وعليه ثوبان ممشقان من كتان فمخط في أحدهما ثم قال " بخ بخ... لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة من الجوع... "
هذا الحديث ليس فيه شيء جديد إلا ناحية واحدة تخطر في بالي وهي أن المسلم إذا انصرف بهمته إلى الدين عن الدنيا فالله عز وجل يرسل الدنيا إليه وهي صاغرة ومن هنا من مثل هذا الحديث أخذ بعض السلف فقال " إن كنت تريد الآخرة فعليك بالعلم وإن كنت تريد الدنيا فعليك بالعلم " طبعا هو لا يعني أن يتخذ أحدنا العلم مهنة يعتاش بها فهذا كما نعلم جميعا لا يجوز في الإسلام لأنّ العلم عبادة وكل عبادة يتعبد المسلم بها ربه لا تكون هذه العبادة عبادة مقبولة إلا إذا أخلص لله عز وجل فيها كما قال الله عز وجل، (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا )) ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي لا يطلب بأي عبادة ربه إلا وجه الله تبارك وتعالى وهذا بحث طويل قد كنا تعرضنا له مرارا لا سيما في أول كتابنا هذا الترغيب والترهيب باب خاص للإخلاص لله عز وجل، وإنما يعني ذلك القائل ومن أراد الدنيا فعليه بالعلم أن العلم باعتباره باعتبار كونه علما فهو سبب لكل خير عاجل أو آجل وخلاصة القول أن المسلم إذا طلب العلم لوجه الله تبارك وتعالى فالله عز وجل يجازيه على ذلك في الدنيا قبل الآخرة لأنه طلب الخير إرضاء لله عز وجل فالله عز وجل يرضيه بأن يعطيه من الدنيا ما يغنيه عن الناس أما في الآخرة فكما قال تعالى (( والآخرة خير لك من الأولى )) .
3 - شرح الشيخ لأثر محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة رضي الله عنه وعليه ثوبان ممشقان من كتان فمخط في أحدهما ثم قال " بخ بخ... لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة من الجوع... " أستمع حفظ
شرح الشيخ لحديث فضالة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة..."
يقول فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة من الجوع ترتخي أعصابهم فلا يملكون أنفسهم فيخرون يقعون على الأرض رغما عنهم وهم أصحاب الصفة فإذا رأهم بعض الأعراب الذين لا يعرفون حال هؤلاء الصحابة وشدة فقرهم قالوا هؤلاء مجانين أو مجانون المعنى واحد لكن الراوي يشك هل قال فضالة مجانين أو مجانون وهو جمع شاذ كما يقول أهل اللغة، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف إليهم يعزيهم ويسليهم بل ويصبرهم فيقول لهم عليه الصلاة والسلام ( لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا حاجة وفاقة ) هل في هذا الحديث حض على أن يتقصد المسلم الفقر للفقر أم ماذا ؟ قد يظن بعض الناس أن الأمر كذلك وليس كذلك وإنما في هذا الحديث تسلية لمن قد يصاب بشيء من الفاقة والحاجة ولا يجد هناك ما يسد عوزه ورمقه فحينئذ يجد هذه الأحاديث هي الدواء والشفاء له وهي التي حينئذ تصرفه عن أن يكون عالة على غيره أو كلا على الناس.
هذا الذي نفهمه من هذه الأحاديث وإلا فالفقر نفسه في كثير من الأحيان يكون وبالا على صاحبه لأنه يحتاج إلى كثير من الصبر والرضا بالقضاء والقدر وهذا ما لا يستطيعه كثير من الناس ...
ولذلك كان مما كان يستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر كان يقول ( أعوذ بك من الفقر ) والسبب هو ما ذكرنا أن كثيرا من الناس لا يصبرون على شظف العيش أما أن يتقصد الإنسان أن يكون فقيرا فهذا ليس من الإسلام في شيء إطلاقا ذلك لأن الفقر إنما يأتي الإنسان إذا كان مشغولا بشيء يمدح عليه صاحبه شرعا كما تقدم معنا في وصف أبي هريرة في حالته من الجوع والفقر، أما أن يعيش هكذا في زعمه متوكلا على الله وهو في واقع أمره متواكل متواكل على الناس وعلى جيوبهم وصدقاتهم فهذا ليس مما يرغب فيه الإسلام بل لقد جاء في القرآن قول الله تبارك وتعالى (( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى )) يعني تزودوا الزاد المادي إذا ما خرجتم من بلادكم من آمّين البيت الحرام قاصدين الحج أو العمرة فتزودوا ولا تتكلوا على زاد الرفقة الذين أنتم تسافرون معهم .
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) واليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي الآخذة فالغني القائم بالواجب هو أحب إلى الله عز وجل إذا قوبل بفقير الصابر لكن لا يقال الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر لأنه فاضل بين إنسان وأخر لا يكون بالنسبة لناحية واحدة هو الغني للغني والفقر للفقير وإنما يكون بما اجتمع في كل من الشخصين من حسنات ومن طاعات وعبادات فمن كانت عبادته أكثر فهو عند الله أفضل لكن إذا قوبل الفقر مع الغنى وكل منهما واقف في حدود الشرع فالظاهر أن الغنى سعة دائرة الخير فيه أكثر من رضى الفقير وصبره على فقره، ومن هنا تروى قصة قد تكون صحيحة أو لا تكون وإنما فيها عبرة يقولون بأن رجلا من أولئك الزهاد المشهورين بالصوفية خرج سائحا في البرية كما هي عادتهم علما بأن مثل هذه السّياحة بأن مثل هذه السياحة ليست مشروعة والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام ( سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) الخروج هكذا في البراري يعيش الإنسان مع الوحوش ويدع بني جنسه ولا يتعامل معهم فهذا أقل ما يقال أنه خالف حديث الرسول عليه السلام المعروف من حديث ابن عمر ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) فهذه السّياحة التي تذكر عن الصوفية هي سياحة غير شرعية فزعموا أن أحدهم خرج كعادتهم ثم مازال يمشي ويمشي حتى جاع وتعب فلجأ إلى خربة وإذا به يطل منها على خربة أخرى فرأى أسدا يأتي يحمل بين فكّيه فريسة له يقدمها إلى كلبة جاثية هناك باركة فقال هذا الرجل سبحان الله سبحان الرزاق كيف سخّر هذا الأسد لهذا الكلب قال فسمع هاتفا يقول له كن أسدا ولا تكن كلبا .
وهذا المغزى من هذه القصة هو واضح جدا من عشرات الأحاديث وقد أسمعتكم بعضها ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) .
4 - شرح الشيخ لحديث فضالة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصفة..." أستمع حفظ
شرح الشيخ لأثر أبي هريرة رضي الله عنه قال" لقد رأيتنا ومالنا ثياب إلا البرد المتفتقة وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاما يقيم به صلبه..."
ليس في هذا الحديث شيء جديد بالنسبة للأحاديث السابقة، ويؤكد ما ورد في بعض الأحاديث المتقدمة وبصورة خاصة عن أبي هريرة رضي الله عنه ما كانوا عليه من شظف العيش الشديد حتى كان أحدهم لا يجد ما يقيم به صلبه أي لا يجد القوت الضروري فضلا عن الإدام ونحوه من الكماليات .
5 - شرح الشيخ لأثر أبي هريرة رضي الله عنه قال" لقد رأيتنا ومالنا ثياب إلا البرد المتفتقة وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاما يقيم به صلبه..." أستمع حفظ
شرح الشيخ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال " أبشروا..." الحديث
في هذا الحديث ناحية لغوية قد تفيدنا قد يفيدنا الانتباه لها وقد يربطنا ذلك بنواحي أخرى تتعلق بالعقيدة، يقول ابن مسعود نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجوع في وجوه أصحابه فهل الجوع شيء يرى ؟ طبعا لا ولكن يكون المعنى بداهة نظر إلى أثر الجوع فإذًا هنا مضاف محذوف والمضاف المحذوف معروف في اللغة وأدابها .
6 - شرح الشيخ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال " أبشروا..." الحديث أستمع حفظ
رد الشيخ على بعض المؤولة في تأويلهم لبعض صفات الله تعالى .
والحديث السابق ( ينزل الله ... ) يعني رحمته، ما الذي اضطر هؤلاء ماهي القرينة الصارفة عن تفسير هذه النصوص عن الحقيقة؟ لا شيء سوى أن عقولهم ضاقت عن الإيمان بصفة من صفات الله عز وجل، هذا الله الذي لا يرى ولا يحسّ به وإنما يعلم به كذلك صفاته يقال فيها ما يقال في الذات فنحن لا نعرف الله إلا من آياته ومن آثاره فإذا كان الله عز وجل يقول عن نفسه (( وجاء ربك )) وعطف (( والملك )) فلماذا نقول جاء عذاب ربك أو جند ربك؟ نريد أن نقول الله لا يجيء لماذا؟ لأنهم يتوهمون أن الله حينما يقول عن نفسه جاء يجيء على رجلين مثلا، يجيء وهو متعب يلهث ونحو ذلك من الصفات التي تتعلق بالبشر لكن الله عز وجل لكي لا يتبادر إلى ذهن أحد مثل هذا المعنى الباطل ويتأول من أجله الجملة الحق قال (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) (( ليس كمثله شيء )) تنزيه (( وهو السميع البصير )) إثبات لصفتين من صفات الله عز وجل فهل يتبادر إلى ذهن إنسان حينما يقرأ (( وهو السميع )) أن سمعه كسمعنا؟ لا (( البصير )) أن بصره كبصرنا؟ لا، كذلك كل صفات الله عز وجل يقال فيها ليس كمثله شيء وهو القدير العليم الحكيم لكن في علمه وفي حكمته وفي صفته صفاته كلها لا يشبه شيئا من مخلوقاته سبحانه وتعالى عن ذلك.
كذلك حينما وصف نفسه بأنه جاء لماذا نتخيل أن مجيئه كمجيء البشر المخلوق العاجز فلنقل يجيء مجيئا هو يعلم حقيقة نحن لا ندري حقيقة ذاته حتى ندري حقيقة صفاته.
كذلك ينزل الله لا يستطيع هؤلاء الخلق بحكم كونه بشرا أن يدركوا حقيقة نزول الله وكل بشر كذلك فهل هذا عذر لتأويل النزول الجواب لا لأنه إن جاز تأويل صفة من صفات الله لعجز البشر عن إدراك حقيقتها هذا يؤدي إلى الجحد المطلق لوجود الله عز وجل لأنه يؤدي إلى جحد كل الصفات.
الله مثلا حي وأنا حي فهل ننكر حياة الله حتى ما يقال أنه حياته كحياتنا نحن ما نقول إن حياته كحياتنا ولا حياتنا كحياته لكن حياته ليس كحياته إذًا مجيئه ليس كمجيئنا ونزوله ليس كنزولنا لأن ذاته ليست كذواتنا، وانتهت المشكلة لذلك هذا التقدير الذي يلجأ إليه المؤولة لا دافع لهم عليه إلا تصور التشبيه ففروا من التشبيه فوقعوا في التعطيل لذلك أرجو من كل مسلم أن يحفظ هذه القاعدة من الناحية اللغوية ومن الناحية الشرعية، من الناحية اللغوية لا يجوز تفسير العبارة على غير ظاهرها بتقدير مضاف محذوف إلا لضرورة قاهرة مثلا يقول الإنسان جاء الأمير فهل يصح للسامع أن يفهم العبارة جاء خادم الأمير يعني بتقدير مضاف محذوف، هذا إذًا عطلنا وسيلة التفاهم بين الناس ألا وهي اللغة، القائل قال جاء الأمير ففهم السامع بأنه يعني جاء خادم الأمير، من أتى هذا وقال جاء الأمير فسكت فتقول أنت هو يعني جاء خادم الأمير هذه تعطيل .
هذا إذا كان البشر مثلنا فما بالنا إذا كان المتكلم هو ربنا وخالقنا سبحانه وتعالى يقول عن نفسه وما ندري عنه شيئا إطلاقا إلا ما أخبرنا بنفسه عن نفسه، يقول (( جاء ربك )) نحن نقول جاء ربنا يأتي ربنا لكن كيف ؟ ... ينزل الله، ينزل حقيقة نزولا يليق بجلاله وكماله وعظمته لكن لا نعطل ... و لا نؤول، يقولون يا أخي تقدير المضاف معروف في اللغة العربية، نحن نقول نعم لكن لا بد هناك من ضرورة قاهرة، ما هي الضرورة القاهرة ؟ إما أن تكون لفظية مذكورة في السّياق أو السّباق أو تكون عقلية ضرورية، مثلا الآية السّابقة (( واسألوا القرية )) كل ذي عقل ولب يعلم أن القرية لا تُسأل والعرب حينما تكلموا بهذه اللغة تكلموا بجمل ظاهرها أنها مجاز ولكنها هي الحقيقة بعينها .
وهذا هو الذي تفرد بتفصيل الكلام عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حتى قيل عنه بأنه ينكر وجود المجاز في اللغة العربية لكن الحقيقة هو ينكر هذا المجاز الذي يسير إليه المعطلة أو المؤولة بدون حجة فهو يأتي بمثال أو بالجملة العربية المعروفة وهي "سال الميزاب" يذكره العلماء كمثال للمجاز وجرى بنحوه يقول ابن تيمية هذا تركيب ظاهره المجاز لكن هذه الجملة التي يسمونها مجازا هي تعطي المعنى الذي لا يتبادر سواه للأذهان "سال الميزاب" هل أحد من العرب يفهم ذاب؟ ذاب من شدة الحرارة مثلا الميزاب وإلا الذي يتبادر إلى أذهان كل العرب "سال الميزاب" سال ماء الميزاب إذًا هذه الجمل التي يتبادر من معانيها تقدير هذا المضاف المحذوف هو في الأصل بنيت هذه الجملة على هذا الترتيب وعلى هذا المعنى أما حينما تقول جاء الأمير فممكن يكون في هناك مضاف محذوف لأنه ممكن أن يأتي الخادم وممكن أن يأتي الأمير فهنا تبقى العبارة على ظاهرها لا تؤول بمجاز إلا إذا وجدت قرينة أما "سال الميزاب" لا يمكن أن يفهم منه أنه سال نفس الميزاب، جرى النهر والنهر هو الأخدود لا يعني التراب هذه الحفرة هي سالت وإنما سال ماء النهر.
فمقابلة هذه العبارات التي استعملت على أن المقصود منها المعنى المجازي قطعا بعبارات ظاهرها أن المراد منها حقيقتها مثل جاء فلان وذهب فلان ففلان نفسه هو المقصود بهذه العبارة من هنا قال ابن تيمية لا يجوز تأويل آيات الصفات وأحاديث الصفات بتقدير مضاف محذوف لأن هذه الآيات وهذه الأحاديث في الوقت التي تتحدث عن الله عز وجل وإذا بالمؤولة حينما تأولوا هذه الآيات والأحاديث أصبحت تتحدث عن غير الله عز وجل فالله إذا قال عن نفسه جاء وتؤول بأنه جاء الملك أو جاء العذاب أو جاءت الرحمة أو نحو ذلك صار الحديث عن غير الله تبارك وتعالى وينتج من وراء ذلك مشاكل جليّة واضحة جدا أقتصر الآن على مثال واحد في الحديث السابق، ( ينزل الله تبارك وتعالى ... ) إلى آخر الحديث تأولوا النزول بنزول الرحمة فجاء الاعتراض عليه في تمام الحديث فيقول ( ألا فهل من داع فأستجيب له ألا هل من سائل فأعطيه ألا هل من مستغفر فأغفر له ) من الذي يقول أنا كذا أنا كذا حتى يطلع الرحمة فسد المعنى هذا كله من مفاسد تأويل النصوص الشرعية لعجز العقول البشرية عن فهم حقيقة المعنى فيما إذا تركت النصوص على ظاهرها لسنا مكلفين أبدا أن نفهم حقائق الصفات الإلاهية لأنه من المستحيل أن نتمكن من ذلك، من أين لنا بهذه العقول أن ندرك حقيقة الصفات فهل نحن أدركنا حقيقة الذات، نحن كما يقول بعض العلماء ذاتنا هذه وهي معنا ونعيش فيها ما أدركناها وما أدركنا ما فيها من حقائق كالروح مثلا فكيف ندرك الله تبارك وتعالى وندرك صفاته تبارك وتعالى هذا أمر مستحيل إذًا ليس هناك إلا الإيمان المجرد عن كل فلسفة من جهة وتعليل وإلا الإيمان بدون تأويل أو تعطيل أو تشبيه أو تمثيل وما أحسن ما قال ابن القيم رحمه الله ثم وجدت هذه الكلمة من شيخه ابن تيمية " المعطل يعبد عدما والمجسم يعبد صنما " ولذلك لا يجوز التأويل لأنه يؤدي إلى التعطيل كما أنه لا يجوز التكييف لأنه يؤدي إلى التمثيل وكله مخالف للقرآن الكريم وبصورة خاصة للآية السابقة (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) إذًا هنا في هذا الحديث نقول نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجوع قلنا أثر الجوع لأن الجوع لا يرى فكان هذا قرينا صارفيا أن المتكلم عربي يعني أثر الجوع في وجوه أصحابه فقال عليه السلام ( أبشروا فإنه سيأتي عليكم زمان يغدى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويراح عليه مثلها ) يعني غداء وعشاء، يذكرهم الرسول عليه السلام بأن الله سيوسّع عليهم وأنهم سوف لا يبقون في هذا الضيق والضنك من العيش المادي فستأتيهم الخيرات بسبب الفتوحات الإسلامية فيغدى عليهم بالقصعة من إناء كبير إلي فيه ثريد اللحم ويراح عليهم أيضا ب ... فلما سمعوا هذه البشارة المادية من الرسول صلوات الله وسلامه عليه بادروه بالسؤال وهذا مما يدل على فقه الصحابة وعلى عدم ميلهم إلى الدنيا على حساب الآخرة قالوا " يا رسول الله نحن يومئذ خير " خير هنا ليس اسما إنما هو إسم تفضيل يعني أخْيَر، يومئذ حالنا أحسن أم الآن؟ قال ( لا ) قال ( بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ ) ليه ؟
يظهر أن طبيعة هذه الدنيا لا تنفي التوسع فيها مع التقوى لله تبارك وتعالى فلا يمكن أن يستوي الكفتان للإنسان من حيث التوسع في الدنيا ومن حيث التوسع في الآخرة فالاعتدال بين أو التسوية بين الأمور الدنيا والآخرة يبدو أنه أمر مستحيل فكلما مال المسلم في طاعته وفي عبادته والاستزادة منها في حساب الآخرة نقص ميله ونقص ثمرته أيضا فيما يحصله من الكسب المادي فالعكس بالعكس لا يمكن هناك تسوية الكفين تماما وهذا الحديث مما يدلنا على ذلك، وستأتي أحاديث أخرى فهاهنا لما بشرهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه لا تأسوا الآن على تعيشوا في حياة ضنك وجوع لا تجدون القوت الضروري فسيأتي عليكم زمان قريب يأتيكم الخير أكثر من اللازم ... وكما هو واقع كثير من المسلمين اليوم حيث يطبخون الطبخة أكثر من الحاجة فيضطرون في نهاية الأمر بعد يوم يومين وربما لمّا يفسد الطعام بعد، تأنف النفس من أكل ما أكلت منه يوم يومين فيكون مصير هذا الطعام الرمي إلى الأرض، هذا فيه إسراف والإسراف إضاعة للمال كذلك بما نهى عنه الشرع كتابا وسنة لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم إن هذا الوضع الذي تعيشون فيه سوف يزول وسيأتي زمن قريب تأتيكم القصاع صباح مساء بالثريد فقالوا يا ترى في هذه الحال التي نحن الآن من حيث الناحية الآخروية الذي كانوا التي كانوا فيها في أحسن حال ومن الناحية الدنيوية التي كانوا في أسوأ حال، هم الآن خير أم يومئذ يوم تأتيهم القصاع بالثريد قال ( لا بل أنتم اليوم خير من يومئذ ).
هذه سنة الله في خلقه ولذلك لا تجد إنسانا مال إلى الدنيا ولو من طريق الحلال فضلا عن الحرام إلا ويكون قد قصّر من ناحية دينه كثيرا أو قليلا.
إذًا نأخذ من هذا الحديث موعظة أن المسلم إذا وجد في حياته شيء من شظف العيش فلا يأس على نفسه ولا يحزن وليتذكر أنه إذا تحمّل هذه الحياة أو هذا الشظف من العيش ورضي بقضاء الله وقدره فهو خير من أولئك الذي قدر لهم شيء من التعب في العيش خيرا منه.
بهذا الحديث الذي يقول الرسول عليه السلام للصحابة أنتم أنفسكم يوم تأتيكم الدنيا وتوسع عليكم لا تكونون كما أنتم اليوم، أنتم اليوم خير من يومئذ .
الحديث الذي بعده فيه عندي وقفة يعني على الاصطلاح السابق بياض لم نتمكن من التحقيق فيه .
شرح الشيخ لحديث جابر رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه نلتقي عيرا لقريش..." .
هاي حياة الصحابة حياة المجاهدين حقا الذين نقلوا الإسلام إلى هذه البلاد وإلى غيرها .
هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، يقول جابر بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نلتقي بعثنا لنلتقي عيرا لقريش، قافلة فيها ... فيها مؤنة وإلخ، فبماذا زودهم الرسول عليه السلام قال وزودنا جِرابا من تمر، قرب صغير فيه تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة فقيل كيف كنتم تصنعون بها قالوا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل .
أكثر من هذا كانوا يضيفون إلى التمر والماء ما قاله ما بيّنه بقوله وكنا نضرب بعصينا الخبَط يعني يضربون الشجر الذي عليه الورق وهذا الورق علف للإبل فكانوا هم يخبطون الشجر فيتساقط الورق فيبلونه بالماء ويأكلونه فيكون هذا مساعد للتمرة التي كانوا كان غداؤهم في اليوم والليل.
وسيأتي في بعض الأحاديث الأخرى وفي الدرس الآتي إن شاء الله أنه في بعض الغزوات أو السّريا من كثر ما أكلوا ورق الشجر من هذا الخبط تشققت أشداقهم، لأنه الظاهر شيء قاسي وشيء صاحب حرارة ويأتي في أحاديث أخرى أنهم كانوا إذا خرجوا لقضاء الحاجة بعّروا بعرا مثل الغنم شيء جامد لأنه ما فيه شيء طري في بطونهم هكذا كانت حياة الصحابة وكما قلت لكم أول ما بدأنا هذا الدرس وهو كتاب الزهد من كتاب الترهيب أن المطلوب من هذه الأحاديث هو تربية النفس المسلمة أن لا تتكالب على الدنيا فتفرطها من قيام ما يجب عليه تجاه دينه وتجاه أمته وأنه إذا أصيب بشيء من الشظف من العيش سواء يعني لم يعتده أو كان في ... أنه لازم يتذكر سيرة الرسول عليه السلام وسيرة هؤلاء الصحابة فيرضى بعيشه لأنه ليس خيرا من سيد البشر عليه الصلاة والسلام وسيد الناس من بعد الأنبياء ألا وهم الصحابة الكرام فنسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا الاقتداء بهم في كل شيء شرعه الله عز وجل لنا القدوة به .
8 - شرح الشيخ لحديث جابر رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه نلتقي عيرا لقريش..." . أستمع حفظ
شرح الشيخ لأثر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : " إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله..." .
يفسر بعض غريبه فيقول الحُبْلى بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة والسّمُر بفتح السين المهملة وضم الميم كلاهما من شجر البادية يعني لا ثمر له كان هذا طعامهم، كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحبْلى وهو شجر في البراري والصحاري وهذا السّمُر أيضا نوع آخر من شجر تلك البلاد وهذا النوع من الشجر يعطي قبضا في باطن الإنسان ولذلك يصف هذا الإمساك الذي يصابون به بسبب أكلهم من هذا الورق لا يجدون مكانا أو بديلا له من الطعام، قال " حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خِلط " ، تضع يعني يصير معه إمساك وكأنه امرأة تضع ولدها كم تلاقي من الصعاب، هذا يشعر به بعض المبتلين بالإمساك المزمن فهو يعالج كثيرا وكثيرا حتى يُخرج فضلات طعامه وكان مر معنا في بعض الأحاديث كانوا يُبعِّرون بعرا يعني مثل بعر الماعز لماذا؟ ما له خلط ليس هناك طعام آخر يأكلونه فيختلط مع ذلك الطعام فيلين منه وإنما هو يابس كالحجر ولذلك كانوا إذا خرجوا لقضاء حاجتهم فإنما هم يضعون كما تضع الشاة، فيجدون صعوبة بسبب هذا الإمساك الناتج من أكلهم لورق الشجر الذي ليس فيه حلاوة وليس فيه من الأغذية التي تلين الباطن .
هذا كان طعام من ؟ طعام أولئك الصحابة الغزاة الذين فتحوا لنا هذه البلاد ومن هنا نأخذ عبرة بأن الجيل الذي ينشأ على الترف وعلى النعيم وعلى التمتع بكل ملذات الحياة فهذا من الصعب أن يجاهد هذا الجهاد في سبيل الله عز وجل ذلك لأن الإنسان بطبيعة كونه إنسانا له غرائزه وله طبائعه كلما تأدب على الحب للدنيا والإقبال عليها والرغبة فيها كلما كان معرضا عن كل ما ينافي هذه الحياة ولا سيّما الموت في سبيل الله عز وجل، فهما أمران مرتبطان كلما تشبع الإنسان من دنياه كلما أعرض عن آخرته وكل ما يؤدي إليها وأعظم ما يؤدي إلى الآخرة ويعجل الإنسان إليها إنما هو الجهاد في سبيل الله عادة والعكس من ذلك إذا كان الإنسان ليس مقبلا على الدنيا فإقباله على الآخرة هو ديدنه وهو شأنه ونحن نرى حوادث ونقرأ في كل يوم أن بعض الذين يصابون بشيء مما يزعجهم في الدنيا وليس عندهم إيمان بالآخرة وليس عندهم شيء من الصبر الذي أمر المسلم أن يتمتع إما إذا أصيب بشيء من مصائب الدنيا نجد بعض هؤلاء الناس يعجلون على أنفسهم بالموت وذلك بأن يقتلوا أنفسهم، لماذا ؟ لأنه لم يعد له رغبة في هذه الدنيا لأي أمر كان فإذًا الرغبة في الدنيا تصرف الإنسان عن الآخرة والرغبة على الآخرة تصرفه عن الدنيا وليس معنى هذا أن لا يعمل لدنياه مطلقا وهنا يتدخل الإيمان والإسلام فيعدّل من واقع الإنسان فلا هو بالذي يُقبل على دنياه بحيث ينسى آخرته ويخسرها ولا هو بالذي يقبل على الآخرة بالكلية فينسى دنياه وإذا به أيضا خسر آخرته لأن الله عز وجل جعل هذه الدنيا مزرعة الآخرة والشاهد من الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعيشون حياة شديدة جدا ولذلك فهم كانوا صابرين كل الصبر على الموت لا يبالون أي مبالاة بأن ما ادّخر الله لهم في الآخرة من النعيم المقيم كان ذلك ينسيهم ما يلقونه من شدة العيش وشظف الحياة في دنياهم حتى وهم خارجون غزاة في سبيل الله عز وجل .
من فضائل سعد كما يشهد هو بنفسه وهو من أصدق الناس أنه قال " إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله عز وجل " النفس تتوق في الواقع لمعرفة تفصيل هذا الأمر ولكني فيما استطعت لم أجد رواية تشرح هذه الأسبقية متى كانت وكيف كانت لكن على كل حال هو يخبر عن هذه المنقبة التي خصه الله عز وجل بها وهي أنه كان أول من رمى بسهم في سبيل الله عز وجل، هل كان هذا في معركة من المعارك المعروفة أم كان في غير معركة في مناسبة أخرى ذلك مما لم أقف عليه .
فهذا الرجل الذي هو كما تعلمون جميعا أحد العشرة المبشرين بالجنة يقول ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحبْلى وهذا السمر شجرتان كما ذكرنا حتى إن كان أحدنا يضع كما تضع الشاة ما له من خِلْط.
9 - شرح الشيخ لأثر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : " إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله..." . أستمع حفظ
شرح الشيخ لأثر خالد بن عمير العدوي قال : خطبنا عتبة بن غزوان رضي الله عنه وكان أميرا بالبصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم..." .
يفسّر غريب الحديث أو بعض غريب الحديث بالأحرى يقول أذنت بمد الألف أذنت بمد الألف أي أعملت بصُرْم هو بضم الصاد وإسكان الراء بانقطاع وفناء، حذّاء هو بحاء مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة مشددة ممدودا يعني سريعة والصُبابة بضم الصاد هي البقية اليسيرة من الشيء يتصابّها بتشديد الموحدة قبل الهاء أي يجمعها والكظيظ بفتح الكاف وظاءين معجمتين هو الكثير الممتلئ، نعود إلى خطبة هذا الصحابي الجليل وهو عتبة بن غزوان رضي الله عنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال " فإن الدنيا قد أذنت بصرم " عرفنا أن الصرم هو الانقطاع والمقصود هنا واضح وهي أنها مائلة إلى الانقطاع وإلى الفناء قد أذنت بصرم وولت حذّاء أي سريعة إلى الفناء إذ الأمر كذلك يعظ أصحابه فيقول فقبل يتابع فيقول ولم يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء يتصابُها صاحبها لم يبق من الدنيا إلا الشيء القليل والرسول صلوات الله وسلامه عليه يشير في بعض الأحاديث الصحيحة أنه ( لم يبق من دنياكم هذه بالنسبة لما مضى إلا مثل ما بين صلاة العصر والمغرب ) ، هذه البقية الباقية من الدنيا وهذا ما يشير إليه هذا الخطيب المسقع عتبة بن غزوان فيقول ولم يبق منها إلا صُبابة كصبابّة الإناء يتصابها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما بحضرتكم يعني اجعلوا الدنيا مزرعة الآخرة وخذوا منها زادا تتزودون به إلى تلك الدار دار الآخرة التي لا زوال لها كما هو طبيعة هذه الدنيا حيث أنها زائلة .