.شرح قول المصنف : وقوله تعالى : (( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً )) حفظ
الشيخ : وقوله تعالى : (( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ))
هذه الآية في سياق أصحاب الكهف أصحاب الكهف قصتهم عجيبة كما قال الله تعالى : (( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا )). وهم فتية آمنوا بالله وكانوا في بلاد شرك فخرجوا من هذه البلاد إلى الله عز وجل فيسر الله لهم غارا دخلوا فيه وناموا نومة طويلة بلغت ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ... تسع سنوات وهم نائمون لا يحتاجون إلى أكل وشرب ولا شيئا أبدا لا يحتاجون شيئا أبدا. ومن حكمة الله أن الله تعالى يقلبهم ذات اليمين - يرحمك الله - وذات الشمال لئلا يبقى الدم راسبا في أحد الجانبين حتى يكون دائما يتقلب فيهم الدم لما خرجوا بعثوا بأحدهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاما فلما قدموا النقود وإذا النقود قد تغيرت واختلفت آخر الأمر أن أهل المدينة اطلعوا عليهم فقالوا لا بد أن نبني على هؤلاء أي على قبورهم مسجدا وقوله : (( الذين غلبوا على أمرهم )) من المراد بهم؟ الحكام في ذلك الوقت قالوا سنتخذ على هؤلاء مسجدا وبناء المساجد على القبور كما عرفتم من أسباب الشرك ووسائله هذه الآيات نرجع الآن إليها لنأخذ فوائد :
أولا من فوائد الآية الأولى : أن من العجب أن يعطي الله الإنسان الإنسان نصيبا من العلم ثم يؤمن بالجبت والطاغوت لأننا قلنا لم تر للتقرير والتعجب في الواقع للتقرير والتعجب وهذا لا شك أنه من العجب أن يؤتى الإنسان علما ثم يؤمن بالجبت والطاغوت.
ومن فوائد الآية : أن العلم والعياذ بالله قد لا يعصم صاحبه من المعصية منين نأخذه؟ من هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمنوا بالكفر والذي يؤمن بالكفر يؤمن بالمعاصي لأنها دونها.
ومن فوائد الآية : وجوب إنكار الجبت والطاغوت وهو واضح أن الله تعالى ساقه مساق العجب والذم فلا يجوز الإقرار بالجبت والطاغوت بل يجب إنكاره.
ومن فوائد هذه الآية : ما ساقها المؤلف من أجله أن من هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت لأن النبي عليه الصلاة والسلام : ( لتركبن سنن من كان قبلكم ) فإذا وجد في بني إسرائيل من يؤمن بالجبت والطاغوت فإنه سيوجد في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت.
أما الآية الثانية ففيها من الفوائد :
أولا : تقرير الخصم بما لا يستطيع إنكاره تقرير الخصم بما لا يستطيع إنكاره بمعنى أنك تحتج على خصمك بأمر لا يستطيع أن ينكره فإن اليهود يعرفون أن فيهم قوما غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير يقرون بذلك فإذا كانوا يقرون بذلك وهم يستهزؤون بالمسلمين فنقول : أين محل الاستهزاء؟ الذين جعلت أو حلت عليهم العقوبات أم الذين سلموا منها؟ الجواب : الذين حلت بهم أحق بالاستهزاء والعياذ بالله فإذن يستفاد منها تقرير الخصم بما لا يمكنه دفعه.
ومن فوائد هذه الآية أيضا : اختلاف الناس في المنزلة عند الله لقوله : (( بشر من ذلك مثوبة عند الله )) ولا شك أن الناس يختلفون في زيادة الإيمان ونقصانه وما يترتب عليه من الجزاء.
ومن فوائد الآية : سوء حال اليهود الذين حلت بهم هذه العقوبات اللعن والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت. كل هذا والعياذ بالله من العقوبات التي من أسوأ ما يكون من العقاب.
ومن فوائد الآية : إثبات أفعال الله الاختيارية أنه يفعل سبحانه وتعالى ما يشاء لقوله : (( لعنه الله )) فإن اللعن من صفات الأفعال. ومنها إثبات الغضب لقوله : (( وغضب عليهم ))ومنها إثبات القدرة (( وجعل منهم القردة والخنازير )) وهل المراد بالقردة والخنازير هذه الموجودة؟ الجواب : لا لأنه ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كل أمة مسخت لا يبقى لها نسل فإنه لا يبقى لها نسل وعلى هذا فليس هذا الموجود من القردة والخنازير ليس هو بقية أولئك الممسوخين نعم.
ومن فوائد الآية : أن العقوبات من جنس العمل من أين تؤخذ؟ لأن هؤلاء الذين قلبوا قردة والقرد أقرب ما يكون شبها بالإنسان قلبوا إلى ذلك لأنه فعلوا فعلا ظاهره الإباحة والحل وهو محرم ما هذا الفعل؟ أنهم اعتدوا في السبت فإنه حرمت عليهم حرم عليهم الصيد يوم السبت فابتلاهم الله عز وجل وصار إذا جاءهم السبت امتلأ البحر حيتانا وظهرت الحيتان على سطح الماء وفي غير هذه الأيام تختفي هذه الحيتان ولا يأتي منها شيء فطال عليهم الأمد وقالوا كيف هذه الحيتان ولا يمكن أن نصطاد في يوم الجمعة فماذا نصنع؟ قالوا اصنعوا شبكا ضعوا شبكا في الماء في يوم الجمعة ودعوه حتى تأتي الحيتان وتدخل في الشبك وإذا كان يوم الأحد تأتون وتصطادونه وتكونون بذلك لم تصيدوا يوم السبت هذه حيلة ويش ظاهرها؟ الحل لكن معناها الوقوع في الإثم تماما ولهذا قلبوا في حيوان يشبه الإنسان وليس بإنسان القردة (( قلنا لهم كونوا قردة خاسئين )). وهو يفيد أن الجزاء من جنس العمل ويدل عليه صراحة قوله تعالى : (( فكلا أخذنا بذنبه )) (( أخذنا بذنبه )).
ومن فوائد الآية : أن هؤلاء اليهود صاروا يعبدون الطاغوت لقوله : (( وعبد الطاغوت )) (( وعبد الطاغوت )). ولا شك أنهم إلى الآن يعبدون الطاغوت لأنهم عبدوا الشيطان وأطاعوه وعصوا الله ورسله.
في الآية أيضا نكتة نحوية ما ذكرناها وهي عليه ومنهم. (( من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة )) الضمير في لعنه الهاء وغضب عليه مفرد ومنهم جمع مع أن المرجع واحد و هو " من ".
ويش الجواب؟
أنه روعي في الإفراد اللفظ وروعي في الجمع المعنى وذلك أن من اسم موصول صالحة للمفرد وغير المفرد أو لا؟ قال ابن مالك :
" ومن وما وأل - يلا - تساوي ما ذكر "
لما ذكر الأسماء الموصولة للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث قال :
" ومن وما وأل تساوي ما ذكر ".
إذن منهم عاد على من باعتبار المعنى؟ ولعنه وغضب عليه عاد إليه باعتبار اللفظ نعم. ثم إنه قال : من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم و لم يقل وجعلهم. السبب : لأن اللعن والغضب عام والعقوبة بقلبهم إلى قردة وخنازير خاصة ليس شاملا لكل بني إسرائيل.
يستفاد من الآية الثالثة يستفاد من الآية الثالثة :
ما في ضمن سياق هذه الآية من القصة العجيبة من أصحاب الكهف وما تضمنته من الآيات الدالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته.
ومنها : أن من أسباب بناء المساجد على القبور الغلو في أصحاب القبور لأن الذين غلبوا على أمرهم قالوا : نبنوا عليهم المساجد لأنهم صاروا عندهم محل الاحترام والإكرام فغلوا فيهم فأسباب بناء المساجد على القبور هي الغلو فيها.
نستفيد منها : أن الغلو في القبور وإن قل قد يؤدي إلى ما هو أكبر منه ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بعث علي : ( ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته )) ... كثيرة ثم يأتي من بعدنا ويضعون أكبر ... وضع البناء.
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
قال أن بعض هذه الأمة لا كل هذه الأمة فإن كل هذه الأمة لا يمكن أن تعبد الأوثان لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ). وقوله : " تعبد ". وفي نسخة : " يعبد ". فأما يعبد فهو باعتبار المضاف المضاف إليه أو المضاف؟ المضاف مذكر وأما تعبد فهو باعتبار المضاف إليه قال ابن مالك في الألفية :
" وربما أكسب ثان أولا *** تأنيثا إن كان لحذف موهلا " ومثل لذلك بقولهم :
" قطعت بعض أصابعه " فالتأنيث هنا من أجل أصابعه لا من أجل بعض.
وقوله : " تعبد الأوثان " الأوثان جمع وثن وهو كل ما عبد من دون الله من شجر أو حجر أو صنم أو غير ذلك فإنه وثن.
وقوله : " تعبد الأوثان " أي تتذلل لها بالعبادة سواء كانت العبادة من باب الدعاء أو من باب العمل والتقرب والركوع والسجود هذا من باب التقرب بالعمل والدعاء من باب التعبد بالدعاء والدعاء عبادة كما قال الله تعالى : (( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم )) فمن أتى إلى القبر وقال يا فلان يا ولي الله أو يا نبي الله وما أشبه ذلك أغثني أنقذني فهذا شرك وعبادة وكذلك من وقف خلف القبر ركع له أو سجد فإن ذلك أيضا عبادة.
قال : " وقول الله تعالى : (( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت )) " ألم تر : هذا الاستفهام للتقرير والتعجيب والتعجب فإن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ينبغي أن يكونوا أبعد الناس عن الإيمان بالجبت والطاغوت.
وقوله : " نصيبا " النصيب الحظ.
ومعنى : " أوتوا " أي أعطوا.
وقوله : " من الكتاب " من الكتاب المنزل ولم يعطوا جميع الكتاب وإنما نصيب منه لأنهم حرموا بعضه بسبب معصيته.
وقوله : (( يؤمنون بالجبت والطاغوت )) الجبت والطاغوت الجبت : قيل إنه السحر والطاغوت : قيل إنه الشيطان. ويحتمل المراد بالجبت كل ما لا خير فيه وبالطاغوت كل ما تجاوز الإنسان به حده من معبود أو متبوع أو مطاع فلا يختص بالشيطان والمعنى أن هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ما آمنوا بالله آمنوا بما لا يفيدهم وبما تجاوزوا به حدهم من الأوثان وغيرها وهذا الاستفهام المراد به تقرير مع التعجب والإنكار يعني أنه ينكر على هؤلاء الذين أعطاهم الله تعالى نصيبا من الكتاب ثم بعد ذلك يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون لآخر الآية (( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )) فإن المشركين أرسلوا إليهم يسألونهم يقولون : أينا أهدى نحن أم محمد؟ فقالوا : أنتم أهدى ، أهدى من محمد وهم أي اليهود صادقون أو كاذبون؟ نعم كاذبون غاية الكذب وهم يعلمون ذلك أيضا أي يعلمون أنهم كاذبون وأن الهدى مع النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى : (( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون )).
ما وجه المناسبة في هذه الآية للباب : وجه المناسبة ما تأتي إلا بعد ذكر سبب الحديث وهو : ( لتركبن سنن من كان قبلكم ) الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت وأن من هذه الأمة من ... سببه من كان قبله ويش يلزم من هذا؟ أن يكون في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت فتكون الآية مطابقة للترجمة تماما.
قال : وقوله تعالى :
الطالب : سبق ... .
الشيخ : لا بأس الإعادة لا بأس. وقوله : (( هل أنبئكم من شر من ذلك مثوبة عند الله )) الاستفهام هنا للتشويق أو للتقرير يعني هل أخبركم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ذلك المشار إليه من؟ المشار إليه ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه فإن اليهود يزعمون أنهم هم الذين على الحق وأن الرسول عليه الصلاة والسلام ليسوا على الحق. فقال الله تعالى : (( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة )) وقوله : مثوبة إعرابها؟ تمييز لشر لأن شر اسم تفضيل وما جاء مميزا لاسم التفضيل فإنه ينصب على التمييز. هل أشار إلى ذلك ابن مالك؟
الطالب : ... .
الشيخ : تعجبا .
الطالب : ... .
الشيخ : ... تعجب نعم؟
الطالب : ... .
الشيخ : نعم؟ وبعد ... إذا أضفتها نعم. هو أشار إليها لكني نسيتها أشار إليها بأن ما جاء بعد أفعل تفضيل فإنه يكون منصوبا على التمييز وقوله : " مثوبة " المثوبة معناه المعاد والعاقبة من لعنه الله هؤلاء هم شر مثوبة من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت والعياذ بالله وهؤلاء من؟ اليهود هذا الوصف ينطبق على اليهود إذن اليهود شر مثوبة عند الله من المؤمنين. والشاهد من هذا قوله : (( وعبد الطاغوت )) فإذا كان من اليهود من عبد الطاغوت وهذه الأمة ستركب سنن من كان قبلها لزم من ذلك أن يوجد في هذه الأمة من يعبد الطاغوت.
قال : وقوله تعالى : (( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا )) الجملة هنا مؤكدة بالقسم واللام ونون التوكيد وغلبوا على أمرهم أي الذين لهم السلطة عليهم وهم الأمراء والرؤساء و القصة هنا أو الآية في قصة من؟ أصحاب الكهف قالوا لنتخذن عليهم مسجدا أي على قبورهم وهذه الأمة ستتخذ على القبور مساجد كما اتخذ من كان قبلها بدليل الحديث الآتي حديث أبي سعيد.