شرح قول المصنف : وقول الله تعالى : (( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، وما يهلكنا إلا الدهر )) حفظ
الشيخ : " وقول الله تعالى (( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر )) " وقالوا من؟ أي: المشركون الموافقون للدهرية، ويقولون: إن الصواب أن تقول للدُهرية ما هي للدَهرية، مع أنه نسبة للدهر، لكن هذا مما يتغير فيه الحركة عند النسبة. يقولون إن الدُهرية يقولون ما هي أي ما الحياة وما الوجود إلا هذه، حياتنا الدنيا يعني ولا آخرة ليس هناك آخرة لكن حياة دنيا، (( نموت ونحيا )) هذا وصف لواحد ولا لاثنين؟ هذا وصف لاثنين، يعني: يموت بعض ويحيا آخرون، هذا يموت فيدفن، وهذا يولد فيحيا، يقولون إنها أرحام تدفع وأرض تبلع، ولا شيء سوى هذا.
(( نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر )) يعني ليس هلاكنا بأمر الله عز وجل ولا بقضائه وقدره، ما يهلكنا إلا الدهر، يعني السنين، طول السنين إما طول المدة لمن طالت مدته، وإما الأمراض والهموم والغموم لمن قصرت مدته، أما أن يكون ذلك بقضاء الله وقدره ومكتوب علينا فهذا ليس كذلك، ولا شك أن هذا كذب كما سيأتي إن شاء الله.
وقوله: (( إلا الدهر )) ما المراد بالدهر هنا؟ الزمن والوقت والسنين، يعني ما يهلكنا إلا هذا، فقال الله تعالى: (( وما لهم بذلك من علم ))، يعني: ما للذي يقولونه من علم، بل العلم واليقين بخلافه، أما بالنسبة لقولهم: (( وما يهلكنا إلا الدهر )) فالعلم المحسوس المشاهد المنظور بخلافه، وأما قولهم: (( ما هي إلا حياتنا الدنيا )) فإن العلم المنقول والمعقول يدل على بطلان قولهم، حطوا بالكم، فقوله (( ما لهم بذلك من علم ))، نقول بل العلم على خلاف ما يقولون، وهم قالوا شيئين: الأول: ما هي إلا حياتنا الدنيا، والثاني: ما يهلكنا إلا الدهر، أما الأول فقد أبطله المنقول والمعقول، وأما الثاني فقد أبطله المنقول والمحسوس المشاهد، عرفتم؟ طيب، ولهذا قال الله عز وجل: (( ما لهم بذلك من علم )) وما هذه نافية، ومن علم مبتدأ مؤكد بمن، هذا نفي مؤكد بمن، فيكون نصا في العموم، يعني ما لهم علم لا قليل ولا كثير، إذن ما حالهم بهذا القول؟ يقول: (( إن هم إلا يظنون )) يعني: ما هم إلا يظنون، فهو ظن، وليس ظنا مبنيا على حقيقة في الواقع، بل هو ظن مبني على أيش؟ على أوهام وخيالات لا حقيقة لها، فالظن هنا بمعنى الوهم، يعني ليس مبنيا على دليل يجعل الشيء مظنونا، بل هو مجرد وهم، ففي هذه الآية دليل على أن الظن يستعمل بمعنى الوهم كما أنه يستعمل بمعنى العلم واليقين، أو لا؟ بمعنى العلم واليقين (( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم )) بمعنى الوهم هنا فإنه لا حجة لهم إطلاقا وليس هناك شيء يوجب أن يصلوا إلى الظن بما قالوا بل هو مجرد وهم وخيالات، نرجع الآن إلى ما قلنا قبل قليل بأن القول الأول أو الجملة الأولى التي قالوها: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى، قلنا: إن هذا يكذبه المنقول والمعقول، المنقول بماذا؟
الطالب : ...
الشيخ : الكتاب والسنة، الكتاب والسنة كلها تدل على ثبوت الآخرة والإيمان باليوم الآخر، والكتب السماوية كلها تقر ذلك وتؤكده بأن الله تعالى سيجعل للعباد حياة أخرى سوى هذه، هذا بالنسبة للمنقول.
أما بالنسبة للمعقول فإننا نقول لو كانت الخليقة عالم يحيى ويؤمر وينهى ويلزم بالجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا فيستبيح الدماء والأموال والنساء والذرية، ثم تكون النتيجة لا شيء، هل هذا يليق بحكمة الله عز وجل؟ ما يليق، لا يليق بالحكمة أن الناس يفرض عليهم الإسلام والدعوة إليه والقتال لإعلاء كلمة الله مع ما فيه من استباحة الدماء والأموال والنساء والذرية، ثم نقول: النتيجة أن الجميع يكونون ترابا ثم لا بعث ولا حياة، هذا خلاف المعقول، وهذا تأباه حكمة الله عز وجل، وقد أشار الله إليه في قوله: (( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد )) الذي فرض عليك القرآن وأنزله وفرض عليك العمل به والدعوة إليه، لا بد أن يردك إلى معاد، تجازى عليه ويجازى عليه كل من بلغته الدعوة.
طيب، الثاني قلنا قولهم الثاني: وما يهلكنا إلا الدهر يرده المنقول والمحسوس، أما المنقول فإن الآيات كثيرة بأن الإحياء والإماتة بيد من؟ بيد الله عز وجل، هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يقدر الآجال وكل شيء عنده بمقدار، وهو الذي يقول: (( إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )) كل هذا من النقول يدل على أن الدهر ما له دخل في الموضوع.
أما المحسوس فإننا نشاهد من يموت في حال الصغر في أعز شبابه وأقوى بدنه، يموت أليس كذلك؟ ونشاهد من يبقى سنين طويلة وهو على قيد الحياة، وهذا نوح عليه الصلاة والسلام كم بقي في قومه؟ ألف سنة إلا خمسين عاما، ما أهلكه الدهر، ونجد أطفالا يموتون في الشهر الأول من وضعهم والشهر الثاني، وشبابا في غاية ما يكونوا من القوة يموتون، الدهر هو الذي يميتهم ولا لأ؟ ليس الدهر، إذن فهؤلاء كذبوا في القولتين جميعا، في قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وفي قولهم وما يهلكنا إلا الدهر. فتبين أنه لا بد من حياة أخرى، وأن الذي يهلك ويبقي هو الله عز وجل، ولهذا قال الله عز وجل: (( وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون )) يعني ما هم إلا يظنون.
فإن قلت: ما مناسبة هذه الآية للترجمة باب من سب الدهر فقد آذى الله؟
قلنا: المناسبة لأن أحد الاحتمالين في ساب الدهر أن ينسب الحوادث إليه، وهؤلاء نسبوا الحوادث إلى الدهر، فقالوا: وما يهلكنا إلا الدهر، هذا هو وجه المناسبة مناسبة الآية للترجمة، وإلا فإن المسألة ليس فيها إيذاء، بل فيها كفر وشرك قول هؤلاء الذين يقولون ما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون، نسأل الله السلامة والعافية.
.. تليق به، ما نقول عاد إن أذيته كأذيتنا لا لأن الله يقول: (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) طيب قوله، نعم، طيب نأخذ الحديث.