التعليق على الأبيات السابقة، ومعنى تكايست وتتمة الرد على القائلين بأن القرآن مخلوق ومن أنشأه إذا كان مخلوقا ؟ حفظ
الشيخ : يقول المؤلف رحمه الله: إنه " تكايست أخرى ".
تكايست يعني ادعت الكيس، والكيس هو الفطنة والجد والعزم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ) تكايست يعني قالت: أنا الذي أعرف أنا الذي عند الحذق عندي الذكاء.
" وقالت إن ذا *** قول محال "
الإشارة إلى قول الأشعرية: إن الأمر والنهي والخبر والاستخبار شيء واحد، وإن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور شيء واحد، قالوا: هذا شيء محال، كيف يقول افعل أي لا تفعل، وكيف يكون هل أنت كمثل أنت، هذا لا يمكن، هذا الأمر غير معقول محال، ولكن الكلام خمس معاني: " تلك التي ذكرت " وهي الأمر والنهي والاستفهام والخبر هذه أربع، الخامس
" ومعنى جامع *** لجميعها كالأس للبنيان "
المعنى الجامع لها مثل الأصل، يعني كأن الكلام شجرة له أصل وله فروع، الأصل الجامع، والفروع أربعة، ما هي؟ أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذا التقسيم في الحقيقة تقسيم ذهني لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة، كلام هؤلاء حتى الذين تكايسوا هم بالحقيقة تكيّسوا، نعم، ما أتوا بطائل، لأن هذا التقدير الذي قدروه تقدير ذهني، لا حقيقة له في الخارج، وش معنى أن يكون الكلام له أصل ويتفرع عن هذا الأصل أربعة: أمر ونهي وخبر واستخبار، لا معنى له، ولهذا يقول:
" فيكون أنواعا "
تكون هذه الأربعة أنواعه، وعند الآخرين:
" وعند نظيرهم أوصافه "
شف الخلاف، هؤلاء يقول أمر ونهي وخبر واستخبار هذا وصف للكلام، وليس نوعا، ومعلوم أن الصفات تتعدد على موصوف واحد، لكن أنواع ما تتنوع على شيء واحد، لأن قولك هذا نوع وهذا نوع، يعني التباين، أليس كذلك؟ فصار الأولون الذين جعلوه شيئا واحدا قالوا: إن الأمر والنهي والخبر والاستخبار أوصاف للكلام، أما الذين قالوا هذا خطأ، جعلوا هذه أربعة جعلوا هذا أنواعا للكلام، فيكون كل واحد منها قسيما للآخر وليس هو الآخر، طيب.
يقول: " لكن وهما فمتفقان " يعني: الطائفتين، يعني أن الطائفتين متفقتان على ما يأتي.
" إن الذي جاء الرسول به *** لمخلوق ولم يسمع من الديان "
إذن كل الخلاف الآن شبيه باللفظي انصب في أن القرآن المكتوب في المصاحف المسموع بالآذان مخلوق، كما قالت من؟ المعتزلة، طيب.
ثم اختلفوا أيضا إذا كان مخلوقا فمن أين مصدره؟ استمع ثلاثة أقوال:
" والخلف بينهم فقيل محمد *** أنشاه تعبيرا عن القرآن "
يعني محمد عليه الصلاة والسلام هو الذي تكلم بالقرآن تعبيرا عن كلام الله، أما هذا المسموع الذي سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كلام الله.
" والآخرون أبوا وقالوا إنما *** جبريل أنشاه عن المنان "
إلهام، ألهم الله سبحانه جبريل فتكلم، فهذا القرآن، إذن الأول يقول ألهم إياه محمد وعبر عن كلام الله الذي في نفس الله، والثاني يقول لا جبريل، لأن جبريل ينزل بكلام، فالذي أنشأه من؟ جبريل.
" تكايست أخرى " نعم، وش معنى تكايست؟ ادعت الكيس لنفسها.
" وقالت إنه *** نقل من اللوح الرفيع الشأن "
اللوح المحفوظ، قال إن الله قال (( إنه لقرآن مجيد في لوح محفوظ )) إذن ليس من محمد ولا من جبريل، بل من اللوح المحفوظ، جبريل أخذه من اللوح المحفوظ وتكلم به على محمد
" *** إنه نقل من اللوح الرفيع الشأن
فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد *** أنشأه خلقا فيه ذا حدثان "

قالوا: إن الله خلق كلام في اللوح المحفوظ، نعم، فجاء جبريل فأخذ الكلام من اللوح المحفوظ ثم نزل به إلى محمد، فإذن الخلاف بينهم: هل أنشأه محمد؟ هل أنشأه جبريل؟ هل أخذه جبريل من اللوح المحفوظ بدون إنشاء وجده مخلوق في اللوح المحفوظ وأخذه من اللوح المحفوظ ونزل به؟ ثلاثة أقوال، يقول:
" هذي مقالات لهم فانظر تر *** في كتبهم يا من له عينان "
يعني يقول نحن ما كذبنا عليهم، هذا الكلام موجود في كتبهم، وإذا شئت أن تنظر فانظر، إن كان لك عينين انظر، إن كان لك عين واحدة.
الطالب : ...
الشيخ : لا، انظر أيضا، انظر لكن تأكد.
" يامن له عينان
لكن أهل الحق "
اللهم اجعلنا منهم.
" لكن أهل الحق قالوا إنما *** جبريل بلغه عن الرحمن
ألقاه مسموعا له من ربه *** للصادق المصدوق بالبرهان "

هذا هو الحق: أن القرآن صدر من عند الله عز وجل، تكلم به رب العزة والجلال وسمعه جبريل ونقله بأمانة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا أضافه الله إلى الرسول البشري والرسول الملكي، فقال: (( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين )) أوصاف عظيمة، كل هذا من أجل حماية القرآن، (( رسول كريم ذي قوة )) يحفظ ولا أحد يقربه، (( ذي قوة عند ذي العرش )) له مكانة، يسمع من الرب عز وجل مباشرة، (( مكين )) يعني ذو مكانة هناك، (( مطاع ثم أمين )) ولهذ يقول للملائكة: " إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء " (( أمين )) قوي وأمين، وهذان الوصفان هما الركنان اللذان يتم بهما الشيء (( إن خير من استأجرت القوي الأمين )).
وأضافه إلى الرسول البشري في قوله: (( إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن )) وأضافه إلى نفسه (( فأجره حتى يسمع كلام الله )) واضح؟ ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون كلام الرسول وكلام جبريل وكلام الله، والكلام شيء واحد، لا يمكن أن يكون الكلام الواحد لثلاثة متكلمين، إذن إلى من ينسب حقيقة؟ إلى الأول إلى الأول إلى الله، ويكون منسوبا إلى جبريل لأنه بلغه عن الله، وإلى محمد لأنه بلغه عن جبريل، بلغه إلى الأمة، واضح يا جماعة؟ فهم يقولون " ألقاه مسموعا له "
ألقاه إلى من؟ " للصادق المصدوق بالبرهان "
مسموعا له من الله عز وجل هذا مذهب أهل السنة والجماعة، نعم.