شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وقال تعالى (( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور )) والآيات في الباب كثيرة معلومة ... " . حفظ
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- في بقية الآيات التي ساقها في باب المراقبة عن الله عز وجل ، يقول سبحانه وتعالى عن نفسه : (( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور )) : يعلم : يعني الله عز وجل ، يعلم خائنة الأعين أي : خيانتها ، فالخائنة هنا مصدر كالعاقبة والعافية وما أشبهه ، ويجوز أن تكون اسم فاعل على أنها من خان يخون ، فيكون من باب إضافة الصفة إلى موصوفها .
على كل حال هذه المسألة نحوية ما تهم ، المهم أن للأعين خيانة ، الأعين لها خيانة وذلك أن الإنسان ينظر إلى الشيء ، ولا تظن أنه ينظر إليه نظرا محرما ، ولكن الله عز وجل يعلم أنه ينظر نظرا محرما ، كذلك ينظر إلى الشخص نظر كراهية ، والشخص المنظور لا يدري أن هذا نظر كراهية ، ولكن الله تعالى يعلم أنه ينظر نظر كراهية ، كذلك ينظر الشخص إلى شيء محرم ، ولا يدري الإنسان الذي يرى هذا الناظر ، لا يدري أنه ينظر إلى هذا الشيء نظر إنكار أو نظر رضا ، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ذلك ، فهو سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين ، ويعلم أيضا ما تخفي الصدور : يعني القلوب ، لأن القلوب في الصدور ، والقلوب هي التي يكون بها العقل ويكون بها الفهم ويكون فيها التدبير ، أو يكون بها التدبير ، كما قال الله تبارك وتعالى : (( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا * فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )) ، سبحان الله ! كأن هذه الآية يعني تنزل على حال الناس اليوم ، بل حال الناس من قديم ، يعني هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب ؟
هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلى الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلى قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح : أن العقل في القلب ، وأن القلب في الصدر : (( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا )) بهذه القلوب ، (( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )) : ولم يقل القلوب التي في الأدمغة قال : (( التي في الصدور )) ، فالأمر فيه واضح جدا أن العقل يكون بالقلب ، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ، فما بالك بأمر شهد به كتاب الله ، والله تعالى هو الخالق العالم بكل شيء ، وشهدت به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم !
إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتابَ الله وسنةَ رسوله صلى الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا ، وألا نرفع به رأسا ، إذًا القلب هو محل العقل ، ولا شك ، ولكن الدماغ محل التصور ، محل التصور يتصور الأشياء ، ثم إذا تصورها وجهزها بعث بها إلى القلب ، ثم القلب يأمر أو ينهى ، يعني كأنه على حسب ما نعرف كأن الدماغ سكرتير يجهز الأشياء ثم يدفعها إلى القلب ، ثم القلب يوجه يأمر أو ينهى ، وهذا ليس بغريب : (( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ )) ، في هذا الجسم أشياء غريبة تحار فيها العقول ، ليس بغريب أن الله سبحانه وتعالى يجعل التصور في الرأس ، فيتصور الدماغ وينظم الأشياء حتى إذا لم يبق إلا الأوامر أرسلها إلى القلب ، ثم القلب يحرك يأمر أو ينهى ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( إذا صلحت صلح الجسد ) ، فلولا أن الأمر للقلب ما كان : ( إذا صلح صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد كله ) ، إذًا فالقلوب هي محل العقل والتدبير للشخص ولكن لا شك أن لها اتصالا بالدماغ ، ولهذا إذا اختل الدماغ فسد التفكير وفسد العقل ، فهذا مرتبط بهذا ، لكن العقل المدبر في القلب ، والقلب في الصدر : (( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )) .