تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وتقيم الصلاة ... " . وفيه ذكر بعض أحكام الإمامة وصلاة الجماعة . حفظ
الشيخ : الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الدين
أما بعد : فقد سبق لنا أن مما يتعلق بإقامة الصلاة النية وأنها شرط لصحة الصلاة وبيّنها دليل ذلك من الكتاب والسنة ووعدنا بأننا سنتكلم في هذا الدرس على ما يتعلق بنية الإمام والائتمام ونحن بعون الله نتكلم على ذلك الآن
فالجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم وأقلها اثنان إمام ومأموم وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله
ولابد من نية المأموم الائتمام وهذا شيء متفق عليه يعني إذا دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الائتمام بإمامك الذي دخلت معه ولكن كما قلنا بالأمس النية لا تحتاج إلى كبير عمل لأن من أتى إلى المسجد فإنه قد نوى أن يأتم ومن قال لشخص صلّ بي فإنه قد نوى أن يأتم
أما الإمام فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن ينوي أن يكون إماما أو لا يجب فقال بعض أهل العلم لابد أن ينوي أنه إمام وعلى هذا فلو جاء رجلان ووجدا رجلا يصلي ونويا أن يكون إماما لهما فصفا خلفه وهو لا يدري بهم لكن هما نويا أن يكون إماما لهما وصارا يتابعانه فمن قال إن الإمام لابد أن ينوي الإمامة قال إن صلاة هذين الرجلين غير صحيحة وذلك لأن الإمام لم ينو الإمامة ومن قال إنه لا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة قال إن صلاة هذين الرجلين صحيحة لأنهما ائتما به فالأول هو المشهور من مذهب الإمام أحمد والثاني هو مذهب الإمام مالك واستدل ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في رمضان وحده فدخل أناس المسجد فصلوا خلفه صلوا خلفه ) والنبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما دخل الصلاة لم ينو أن يكون إماما واستدلوا كذلك ( بأن ابن عباس رضي الله عنهما بات عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل قام يصلي وحده فقام ابن عباس فتوضأ ودخل معه في الصلاة ) ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس فيه دلالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نوى الإمامة لكن نواها في أثناء الصلاة ولا بأس أن ينويها في أثناء الصلاة
على كل حال الاحتياط في هذه المسألة أن نقول إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه على أنه إمام لهما فإن سكت فقد أقرهما وإن رفض وأشار بيده بأن لا تصليا خلفي فلا يصليا خلفه هذا هو الأحوط والأولى
ثانيا هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعية في جنس المشروعية بمعنى هل يصح أن يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة؟
ننظر في هذا أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي الفريضة فلا بأس لا بأس بهذا لأن السنة قد دلت ذلك ( فإن الرسول صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف في منى فوجد رجلين لم يصليا فقال ما منعكما أن تصليا في القوم قالا يا رسول الله صلينا في رحالنا ) يحتمل أنهما صليا في رحالهما لظنهما أنهما لا يدركان صلاة الجماعة أو لغير ذلك من الأسباب فقال ( إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ) إنها الأولى وإلا الثانية
الطالب : الثانية
الشيخ : الثانية لأن الأولى حصلت بها الفريضة وانتهت برئت الذمة الثانية لكما نافلة وهما يصليان خلف من يصلي الفريضة إذن إذا كان المأموم هو الذي يصلي النافلة والإمام هو الذي يصلي الفريضة فلا بأس بذلك كما دلت عليه هذه السنة
أما العكس إذا كان الإمام يصلي نافلة والمأموم يصلي فريضة وأقرب مثال لذلك في أيام رمضان إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون صلاة التراويح فهل يدخل معهم بنية العشاء أو يصلي الفريضة وحده ثم يدخل معهم في التراويح هذا محل خلاف بين العلماء ؟
فمنهم من قال لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة لأن الفريضة أعلى ولا يمكن أن تكون صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام ومنهم من قال بل يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة لأن السنة وردت بذلك وهي ( أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة ) فهي له نافلة ولهم فريضة ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم
فإن قال قائل لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم فالجواب عن ذلك أن نقول إن كان قد علم فقد تم الاستدلال لأن معاذ بن جبل رضي الله عنه قد شكي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في كونه يطوّل صلاة العشاء فالظاهر والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بكل القضية وبكل القصة وإذا قدّر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم أن معاذا يصلي معه ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم فإن رب الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم وهو الله جل وعلا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وإذا كان الله قد علم ولم ينزل على نبيه إنكارا لهذا العمل دل ذلك على جوازه لأن الله تعالى لا يقر عباده على شيء غير مشروع لهم إطلاقا فتم الاستدلال حينئذ على كل تقدير
إذن فالصحيح أنه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة الفريضة خلف من يصلي صلاة النافلة والقياس الذي ذكر استدلالا على المنع قياس في مقابلة النص فيكون مطروحا فاسدا لا يعتبر
إذن إذا أتيت في أيام رمضان والناس يصلون صلاة التراويح ولم تدخل ولم تصل العشاء فادخل معهم بنية صلاة العشاء ثم إن كنت دخلت في أول ركعة فإذا سلم الإمام فصلّ ركعتين لتتم الأربع وإن كنت دخلت في الثانية فصلّ إذا سلم الإمام كم؟ ثلاثة ركعات ثلاثة ركعات لأنك صليت مع الإمام ركعة وبقي عليك ثلاثة ركعات وهذا هو منصوص الإمام أحمد بن حنبل مع أن مذهبه خلاف ذلك لكن منصوص الذي نصّ عليه هو شخصيا أن هذا جائز إذن الآن من صلى فريضة خلف فريضة
الطالب : ...
الشيخ : فريضة خلف نافلة
الطالب : تصح الصلاة
الشيخ : فيها خلاف نافلة خلف فريضة جائزة قولا واحدا
المسألة الثالثة في جنس الصلاة: هل يشترط أن تتفق صلاة الإمام والمأموم في نوع الصلاة يعني ظهر مع ظهر عصر مع عصر وهكذا أو لا؟
في هذا أيضا خلاف فمن العلماء من قال يصح فمن العلماء من قال يجب أن تتفق الصلاتان فيصلي الظهر خلف من يصلي الظهر ويصلي العصر خلف من يصلي العصر يصلي المغرب خلف من يصلي المغرب يصلي العشاء خلف من يصلي العشاء الفجر خلف من يصلي الفجر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه )
ومن العلماء من قال لا يشترط فيجوز أن تصلي العصر خلف من يصلي الظهر أو الظهر خلف من يصلي العصر أو العصر خلف من يصلي العشاء لأن الائتمام في هذه الحال لا يتأثر وإذا جاز أن يصلي الفريضة خلف النافلة مع اختلاف الحكم فكذلك اختلاف الاسم لا يضر وهذا القول أصح أنه يجوز أن تصلي الظهر خلف من يصلي العصر أو العصر خلف من يصلي الظهر أو الظهر خلف من يصلي العشاء فإذا قال إنسان كيف الظهر خلف من يصلي العشاء كيف يكون هذا نقول نعم حضرت لصلاة العشاء بعد أن أذن ولما أقيمت الصلاة ذكرت أنك صليت الظهر بغير وضوء ممكن هذا ممكن نقول ادخل مع الإمام صلّ الظهر أنت نيتك الظهر والإمام نيته العشاء ولا يضر ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ) فليس معناه فلا تختلفوا عليه في النية قال ( لا تختلفوا عليه ) ثم فصّل وبيّن قال ( فإذا كبّر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر ) يعني تابعوه ولا تسبقوه هذا معنى لا تختلفوا عليه وكلام النبي عليه الصلاة والسلام يفسّر بعضه بعضا طيب
هذا البحث يتفرع عليه بحث آخر إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال في هذا إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال كيف ظهر خلف عصر العدد هاه واحد والهيئة واحدة هذا لا إشكال فيه لكن إذا اختلفت الصلاتان بأن كانت صلاة المأموم مثلا ركعتين والإمام أربع أو بالعكس أو صلاة المأموم ثلاث والإمام أربع أوبالعكس؟
فنقول إن كانت صلاة المأموم أكثر فلا إشكال مثل لو صلى العصر خلف من يصلي المغرب لو صلى العصر خلف من يصلي المغرب مثل رجل دخل المسجد يصلي المغرب ولما أقيمت الصلاة ذكر أنه صلى العصر بلا وضوء فهنا صار عليه صلاة العصر نقول ادخل مع الإمام بنية صلاة العصر وإذا سلم الإمام فإنك تأتي بواحدة لتتم لك الأربع هذا لا إشكال فيه
إذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم إذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم فهذا نقول إن دخل المأموم في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال وإن دخل في الركعة الأولى فحينئذ يأتي الإشكال ولنمثّل إذا جئت والإمام يصلي العشاء وهذا يقع كثيرا في أيام، في أيام الجمع في أيام الجمع يأتي الإنسان من البيت والمسجد جامع للمطر أو ما أشبه ذلك فإذا جاء وجدهم يصلون العشاء وجدهم يصلون العشاء لكن وجدهم يصلون في الركعتين الأخيرتين نقول ادخل معهم بنية المغرب صلّ الركعتين وإذا سلم الإمام تأتي بركعة ولا إشكال
طيب جئت ووجدتهم يصلون العشاء الآخرة لكنهم في الركعة الثانية ادخل معهم بنية المغرب وسلّم مع الإمام ولا يضر لأنك لا زدت ولا نقصت هذا أيضا لا إشكال هذا فيه إشكال عند بعض الناس ولكنه ليس بإشكال في الواقع يقول بعض الناس إذا دخلت معه في الركعة الثانية ثم جلست في الركعة التي للإمام ثانية هي لي أولى فأكون جلست في الأولى للتشهد نقول هذا ما يضر ألست إذا دخلت مع الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية فالإمام سوف يجلس للتشهد وهي لك أولى هذا نفس الشيء ما في إشكال هذا الإشكال لو جئت إلى المسجد ووجدتهم يصلون العشاء في الركعة الأولى ودخلت معهم في الركعة الأولى دخلت معهم في الركعة الأولى حينئذ ستصلي ثلاثا مع الإمام والإمام سيقوم إلى الرابعة سيقوم إلى الرابعة فماذا تصنع إن قمت معه زدت ركعة صليت أربع المغرب ثلاثا ليست أربع المغرب ثلاثا لا أربع وإن جلست تخلفت عن الإمام فماذا تصنع نعم ماذا تصنع نقول اجلس اجلس وإذا كنت تريد أن تجمع فانو المفارقة مفارقة الإمام اقرأ التحيات وسلم ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء لأنه يمكن تدركه أما إذا كنت لا تنوي الجمع أو ممن لا يحق له الجمع فإنك في هذه الحال مخير إن شئت فاجلس للتشهد وانتظر الإمام حتى يكمل الركعة ويتشهد وتسلم معه وإن شئت فانو الانفراد وتشهد وسلم وهذا الذي ذكرناه هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
ونية الانفراد هنا للضرورة لإن الإنسان لا يمكن أن يزيد المغرب على ثلاث فجلوسك للضرورة انفراد لضرورة شرعية ولا بأس بهذا والله الموفق