تتمة شرح قول قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، ... " . حفظ
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
تقدم لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين من الحقوق التي للمسلم على أخيه فمنها : السلام رداً وابتداءً ، وسبق لنا شيء من الكلام على السلام وحكمه وأن ابتداءه سنة ورده فرض ، فرض عين على من قُصد به ، وفرض كفاية إذا قُصد به جماعة فإنه يجزئ رد أحدهم .
والسلام حسنة مِن الحسنات إذا قام به الإنسان فله عشر أمثاله ، الحسنة بعشر أمثالها ، يعني إذا سلمت علي أخيك قلت: السلام عليك ، فلك عشر حسنات أجراً باقياً تجده أحوج ما تكون إليه .
ونحن نعلم أنه لو قيل لشخص : كلما لقيت أحداً فسلمت عليه فلك بكل تسليمة درهم واحد ، لوجدت الإنسان يطلب الناس ليُسلم عليهم ابتغاء هذا الدرهم الواحد ، مع أن الدرهم الواحد يفني ويزول ، والأجر والثواب الباقي نجدنا -عاملنا الله وإياكم بعفوه- نجدنا فاترين فيه متهاونين فيه ، فالذي ينبغي لك كلما لقيك أحد من إخوانك المسلمين أن تسلم عليه ، أما غير المسلم فلا تسلم عليه ، لأن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال : ( لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام ، وإذا وجدتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه ) ، فاليهودي والنصراني والمشرك والملحد والمرتد كالذي لا يصلي، والمبتدع بدعة يكفر بها، كل هؤلاء لا يحل ابتداء السلام عليهم، ولو كانوا أقرب الناس إليك، لكن إذا سلموا فرُد عليهم بمثل ما سلموا به، إذا قالوا: أهلاً ومرحباً، قل : أهلاً ومرحباً، إذا قالوا : السلام عليكم ، قل : وعليكم السلام، وإذا شككت هل هو يقول: السلام عليكم، أو يقول السام عليكم، فقل: وعليكم.
بل إذا لم تتيقن أنه قال : السلام عليكم باللام فقل: وعليكم ، وذلك أن اليهود كانوا يمرون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فيسلمون عليه لكن يقولون : السام عليكم ، يدغمونها ، والسام يعني الموت ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن اليهود إذا لقوكم قالوا : السام عليكم، فقولوا : وعليكم ) ، وعليكم ، إن كانوا يدعون بالسلام فلعيهم السلام، وإن كانوا يدعون علينا بالموت فعليهم الموت، وهذا من العدل : (( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا )) ، هذا من العدل ، ولهذا ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتابه * أحكام أهل الذمة* : " أنهم إذا قالوا : السلام عليكم بكلام بين ، فلك أن تقول : وعليكم السلام " .
وأما أهل المعاصي فإن كان في هجرهم فائدة فاهجرهم، والفائدة أن يُقلعوا عن معصيتهم، وإن لم يكن في هجرهم فائدة فهجرهم حرام، لأنهم من المؤمنين ، وإذا كانوا من المؤمنين فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل لأحد أن يهجر أخاه المؤمن فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) ، أما إذا كان يفيد بحيث يرتدعون عن المعصية ، وينتهون عنها، فهجرهم مطلوب، إما واجب وإما مستحب.
وأنظر إلى ما حصل من فائدة هجر كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك ، فخُلفوا عن قبول عذرهم ، انظر ماذا حصل لهم ، حصل لهم مِن قوة الإيمان والصبر على ما حصل ، وانتظار الفرج من الله عزّ وجلّ ما نالوا به ما هو مِن أعظم المثوبات ، نالوا به كلامَ رب العالمين ، الذي يُقرأ في الليل والنهار من كل مسلم حتى في الصلوات ، مَن أحدٌ مِنَ الناس يثني عليه في الصلوات الفريضة والنافلة ؟! (( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )) ، وهذا نص ، لكنهم وإن ما ذكروا بأسمائهم، لكن ذكروا بوصف لا ينطبق على مَن سواهم .
وأما ما ذهب إليه كثير من المفسرين في قوله تعالى : (( وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى )) : بأن هذا هو أبو بكر فهذا ليس كالنص الحاصل لهؤلاء الثلاثة ، ولذلك لا نعلم أنَّ أحداً من الصحابة أُثني عليه بهذا النص مثل ما أثني على هؤلاء الثلاثة .
وقد هجرهم النبي عليه الصلاة والسلام أربعين ليلة لا يكلمهم ، وقال للناس: لا تكلمونهم، فلا يكلمهم أحد، وبعد تمام الأربعين أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، ولما جاء الرسول إلى كعب بن مالك ، الرسول الذي أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعتزل امرأته ، قال له كعب : " أأطلقها -يعني فأنا مستعد- أم ماذا ؟ قال الرسول: لا أدري ، إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك أن تعتزل امرأتك ولا أدري " ، فانظر كيف كان هذا الامتثال العظيم مع هذه المحنة العظيمة التي لا تَرِد على قلب فينجو منها إلا من عصمه الله عزّ وجلّ .
فالمهم أن الهجر إذا كان ينفع في تقليل المعصية أو التوبة منها فإنه مطلوب إما على سبيل الوجوب ، أو على سبيل الاستحباب ، أما إذا كان لا ينفع وإنما يزيد العاصي عُتواً ونفوراً من أهل الخير فلا تهجر ، لأن الإنسان مهما كان عنده من المعاصي وهو مسلم فهو مؤمن ، لكنه ناقص الإيمان والله الموفق .
القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
نقل المؤلف -رحمه الله تعالى- : " عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ) ، متفق عليه " .