شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... باب فضل الحب في الله والحث عليه وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه وماذا يقول له إذا أعلمه . قال الله تعالى (( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم )) إلى آخر السورة وقال تعالى (( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم )) . وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) متفق عليه . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) متفق عليه . وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) رواه مسلم . وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ) رواه مسلم ... " . حفظ
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- : " باب فضل الحب في الله والبغض فيه، وإعلام من يحبه أنه يحبه، وما يقول له إذا ذكر ذلك " :
هذه أربعة أمور، بين المؤلف رحمه الله الأدلة الدالة عليها :
فقال رحمه الله : " وقول الله تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )) " : محمد رسول الله، والذين معه وهم أصحابه، أشداء على الكفار، أقوياء على الكفار، رحماء بينهم، يعني يرحم بعضهم بعضًا.
(( تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً )) : يعني تنظر إليهم في حال الصلاة تجدهم ركعاً سجداً، خضوعاً لله عز وجل وتقرباً إليه، لا يريدون شيئاً من الدنيا، ولكنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. فضلاً من الله: وهو الثواب، والرضوان: رضى الله عنهم.
(( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ )) : يعني علامتهم في وجوههم من أثر السجود، وهذه السيما هي نور الوجه، نور وجوههم من سجودهم لله عز وجل، وليست العلامة التي تكون في الجبهة، هذه العلامة ربما تكون دليلاً على كثرة السجود، ولكن العلامة الحقيقية هي نور الوجه.
(( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ )) : يعني ذلك صفتهم في التوراة، فإن الله سبحانه وتعالى نوَّه بهذه الأمة وبرسولها صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، كما قال الله تعالى: (( الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )) .
(( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار )) يعني: مثلهم كمثل الزرع ، (( أَخْرَجَ شَطْئهُ )) يعني الغصن الثاني غير الغصن الأم ، (( فَآزَرَهُ )) : يعني شدده وقواه، (( فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ )) : قام وعانق الأصل ، (( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ )) يعني أهل الخبرة والزرع يعجبهم مثل هذا الزرع القوي، إذا كان له شطئاً مؤازر له، مقوٍ له.
(( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ )) : أي ليغيظ الله بهم الكفار من بني آدم، (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً )) ، مغفرة للذنوب، وأجراً عظيماً على الحسنات.
وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا )) : هؤلاء الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، (( تَبَوَّأُوا الدَّارَ )) : المدينة، أي سكنوها (( مِنْ قَبْلِهِمْ )) : من قبل المهاجرين، وحققوا الإيمان من قبل أن يهاجر إليهم المؤمنون، لأن الإيمان دخل في المدينة قبل الهجرة، (( تَبَوَّأُوا الدَّارَ )) : سكنوها، (( وَالْإيمَانَ )) : حققوا الإيمان ، (( مِنْ قَبْلِهِمْ )) : من قبل المهاجرين.
(( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ )) ، لأنهم إخوانهم ، ولهذا لما هاجروا آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم أي: جعلهم إخواناً، حتى إن الواحد من الأنصار يتنازل عن نصف ماله لأخيه المهاجري، (( وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا )) يعني: لا يجدون في صدورهم حسداً مما أوتي المهاجرون من الفضل والولاية والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ )) أي: يقدمون غيرهم على أنفسهم. (( وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )) أي: ولو كانوا جياعاً، فإنهم يجوعون ليشبع المهاجرون رضي الله عنهم وأرضاهم.
(( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) : يعني من يقيه الله شح نفسه، ويكون كريماً، يبسط المال ويبذل، ويحب أخاه، فأولئك هم المفلحون.
(( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ )) : من بعد هؤلاء ، وهم التابعون إلى يوم القيامة (( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ )) : هؤلاء الذين جاءوا من بعدهم هم تبع لهم ، قد رضي الله عنهم كما قال الله تعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )) .
وهذه الآيات الثلاث : (( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ )) ، (( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ )) ، (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ )) : آيات تبين من يستحق الفيء من بيت المال، والذين يستحقون الفيء هم هؤلاء الأصناف الثلاثة، منهم (( الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ )) .
سئل الإمام مالك رحمه الله: هل يُعطى الرافضة من الفيء ؟ قال: لا يعطون من الفيء، لأن الرافضة لا يقولون : (( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ))، لأن الرافضة يرون الصحابة إلا نفرا قليلاً كلهم كفاراً والعياذ بالله، حتى أبو بكر وعمر، يرون أنهما كافران، وأنهما ماتا على النفاق، وأنهما ارتدا بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، نسأل الله العافية.
ولهذا قال الإمام مالك: لا يستحقون من الفيء شيئاً، لأنهم لا يقولون : (( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ))، ولكن يخصون الرحمة والمغفرة أو سؤال المغفرة والرحمة لمن يرون أنهم لم يرتدوا، وهم نفر قليل : آل البيت واثنان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة من غيرهم.
ففي هذه الآية، الشاهد من هذه الآية قوله: (( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ )) : يعني من المؤمنين، وهذا حب في الله، وإلا فإن الأنصار من الأوس والخزرج، ليس بينهم وبين المهاجرين نسب، ليسوا من قريش، ولكن الأخوة الإيمانية هي التي جمعت بينهم وصاروا إخواناً لهم ، والأخوة الإيمانية هي أوثق عرى الإيمان، أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
ثم ذكر المؤلف حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ) : من كن فيه : يعني من اتصف بهن، ( وجد بهن ) : أي بسببهن، ( حلاوة الإيمان ) : ليست حلاوة سكر ولا عسل، أعظم من كل حلاوة. حلاوة يجدها الإنسان في قلبه، ولذة عظيمة لا يساويها شي، يجد انشراحاً في صدره، رغبة في الخير، حباً لأهل الخير، حلاوة لا يعرفها إلا من ذاقها بعد أن حرمها.
( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) : وهنا قال : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولم يقل: ثم رسوله، لأن المحبة هنا محبة الرسول عليه الصلاة والسلام تابعة ونابعة من محبة الله سبحانه وتعالى.
فالإنسان يحب الرسول بقدر ما يحب الله، كلما كان لله أحب كان لرسوله أحب.
لكن مع الأسف أن بعض الناس يحب الرسول مع الله ولا يحب الرسول لله،
-انتبهوا انتبهوا- يحب الرسول مع الله ولا يحب الرسول لله!! كيف؟ تجده يحب الرسول أكثر من محبة الله، وهذا نوع من الشرك، أنت تحب الرسول لله، لأنه رسول الله، والمحبة الأصل والأم محبة مَن؟
الطالب : الله .
الشيخ : محبة الله عز وجل، لكن هؤلاء الذين غلوا في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يحبون الرسول مع الله لا يحبونه لله، أي يجعلونه شريكاً لله في المحبة بل أعظم من محبة الله. تجده إذا ذكر الرسول اقشعر جلده من المحبة والتعظيم، لكن إذا ذكر الله وإذا هو بارد ما يتأثر.
هل هذه محبة نافعة للإنسان؟ ما تنفعه، هذه محبة شركية، عليك أن تحب الله ورسوله، وأن تكون محبتك للرسول صلى الله عليه وآله وسلم نابعة من محبة الله وتابعة لمحبة الله، ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ) : هذا الشاهد، تحب المرء لا تحبه إلا لله، لا تحبه لقرابة، ولا لمال، ولا لجاه، ولا لشيء من الدنيا، إنما تحبه لله.
أما محبة القرابة فهي محبة طبيعية، كل يحب قريبه محبة طبيعية، حتى البهائم تحب أولادها، تجد الأم مِن البهائم والحشرات تحب أولادها حتى يكبروا ويستقلوا بأنفسهم، ثم تبدأ بطردهم، إذا كان عندك هِرة انظر إليها كيف تحنو على أولادها وتحملهم في أيام البرد، تدخلهم في الدفء، وتمسكهم بأسنانها، لكن لا تؤثر فيهم شيئاً، لأنها تمسكهم إمساك رحمة، حتى إذا فُطموا واستقلوا بأنفسهم، بدأت تطردهم، لأن الله يلقي في قلبها الرحمة ما داموا محتاجين إليها، ثم بعد ذلك يكونون مثل غيرهم.
فالشاهد أن محبة القرابة محبة طبيعية، لكن إذا كان قريبك من عباد الله الصالحين، فأحببته فوق المحبة الطبيعية فأنت أحببته لله.
( أن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) : يعني يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وهذه ظاهرة فيمن كان كافراً ثم أسلم، لكن من ولد في الإسلام فيكره أن يكون في الكفر بعد أن منَّ الله عليه بالإسلام كما يكره أن يقذف في النار، يعني أنه لو قذف في النار كان أهون عليه من أن يعود كافراً بعد إسلامه، وهذه ولله والحمد حال كثير من المؤمنين، كثير من المؤمنين لو قيل له: تكفر أو نلقيك من أعلى شاهق في البلد أو نحرقك لقال: احرقوني. ألقوني من أعلى شاهق، ولا أرتد من بعد إسلامي.
وهذا مراد الردة الحقيقية التي تكون في القلب، أما من أُكره على الكفر فكفر ظاهراً لا باطناً، بل قلبه مطمئن بالإيمان، فهذا لا يضره لقوله تعالى: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ )) لما قيل لهم: نقتلكم ولا اكفروا، باعوا الآخرة بالدنيا، كفروا ليبقوا، فاستحبوا الدنيا على الآخرة، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ، نسأل الله لنا ولكم الهداية.
( وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) ، وسيأتي إن شاء الله بقية الأحاديث الواردة في هذا الباب.