شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اجتنبوا السبع الموبقات ) قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: ( الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ). متفق عليه. حفظ
القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين :
نقل -رحمه الله تعالى- في باب التغليظ في حكم السحر :
" عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هُن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) متفق عليه " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
تقدم الكلام على أول هذا الحديث ، وعلى قوله : ( وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ) : وذكرنا أن النفوس المحرمة أربعة أنواع : المسلم ، والذمي ، والمعاهد ، والمستَأمِن، وأنه لا يجوز قتل واحد منهم إلا بحق .
وتكلمنا أيضا عن العهد بين المسلمين وبين الكفار ، وبينا أنه جائز إذا دعت الحاجة إليه أو المصلحة ، وأن العلماء اختلفوا -رحمهم الله- هل يجوز العهد أكثر من عشر سنوات أو لا؟ وهل يجوز العهد المطلق أو لا؟
وذكرنا أنه أي العهد ثلاثة أقسام :
عهد مؤبد وهذا لا يجوز .
وعهد مطلق وهذا جائز على القول الراجح .
وعهد مؤقت وهذا جائز ، ثم اختلف القائلون به هل يجوز أن يزيد على عشر سنوات أو لا ؟! والصحيح أنه جائز لأنه للحاجة .
ثم قال : ( وأكل الربا ) : أكل الربا أيضا من الموبقات ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وقد ورد من الوعيد على أكل الربا ما لم يرد مثله على أي ذنب سوى الشرك " ، فهو عظيم والعياذ بالله ، حتى إن الله قال في كتابه : (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )) : فبين الله عز وجل أنه إذا لم يترك الإنسان الربا فإنه معلن للحرب على الله ورسوله ، (( فأذنوا بحرب من الله ورسوله )) ، وأنه إذا تاب فإنه يحرم عليه أن يأخذ أكثر من ماله : (( فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )) .
وقد استحسن بعض الناس بعقولهم استحساناً مخالفًا لشرع الله عز وجل ، فقالوا : إن الإنسان إذا جعل أمواله عند أهل الربا فإنه يجوز أن يأخذ الربا ثم يتصدق به تخلصاً منه ، وهذا القول مخالف للقرآن الكريم ، لأن الله عز وجل يقول : (( وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )) ، يقولون في وجه استحسانهم : " إننا لو تركناه للبنوك لكانوا يستعينون به على بناء الكنائس ، وإعانة الكفار على قتال المسلمين وما أشبه ذلك من الأقوال التي يصادمون بها النص " ، ونقول لهم :
أولا : إن هذا الربا ليس داخلا في ملكه حتى نقول إنه تبرع للبنك به ، فهو من الأصل لم يدخل في ملكه ، ماله الذي أودعه عند البنك ربما يشترى به الحاجات أو يدخل في مشروعات ويخسر ، فهذه الزيادة ليست نماء ملكه بل هي زيادة محضة يسلمها البنك لمن أعطى هذا المال .
وثانيا : من يقول إنهم يستعينون بها ، إنهم يجعلونها في الكنائس والأسلحة ضد المسلمين من قال هذا؟
وثالثا : أننا لو قلنا بذلك ، فهل إذا أخذناها منهم سوف يُمسكون عن قتال المسلمين وعن إضلالهم عن دينهم ؟!
ورابعا : أننا إذا قلنا بذلك ، ثم قلنا : خذها وتصدق بها ، فمعنى ذلك أننا قلنا له : تلطخ بالنجاسة ثم حاول أن تغسل يدك منها، إذن ما الفائدة أن تأخذها ثم تتصدق بها؟ لا فائدة اتركها من الأصل تسلم منها ، ثم إننا إذا قلنا بذلك فأخذها الإنسان فهل يضمن لنفسه أن يقوى نفسه على التصدق بها ولا سيما إذا كانت كثيرة ؟! قد يأخذها بهذه النية ثم تغلبه نفسه فلا يتصدق بها ويأكلها ، سواء حصل ذلك في أول مرة أو في ثاني مرة أو في ثالث مرة ، وأيضا إذا قلنا خذها وتصدق بها فأخذها أمام الناس فما الذي يعلم الناس بأنه تصدق بها ؟! الناس لا يدرون ، وربما اتخذوا من فعله هذا قدوة ، وفعلوا مثل فعله وأكلوا الربا .
وأيضا فإننا إذا قلنا بذلك ، استمرينا الدخول في الربا ، وسهُل علينا ، وصرنا نأخذه ، لكن لو قلنا بالمنع ، سلمنا من الربا من وجه ، واضطررنا إلى أن نجد سبيلا إلى معاملات شرعية لا تخالف الدين بإنشاء البنوك الإسلامية التي ليس فيها ربا .
والمهم أن أول شيء نرد به على هذا القول المستحسَن وليس بحسن هو أنه مصادم للنص : (( وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )) ، " ولا استحسان للعقول مع وجود النص ، وكل شيء تستحسنه بعقلك وهو مخالف للنص فهو ليس بحسن بل هو سيئ ، ونتيجته وعاقبته سيئة " ، ولا تنظر إلى الشيء المستعجل انظر إلى العاقبة ، والعاقبة في كل ما خالف الشرع لا شك أنها عاقبة سيئة لأن الله يقول : (( إن العاقبة للمتقين )) ، وهذا يدل على أنه من ليس بمتقي فليس له عاقبة محمودة ولا حسنة .
ولا يغرنك التحسين المبني على الوهم ، عليك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا تتجاوزهما إن شئت البركة والخير وأن ينمو جسمك على طاعة الله عز وجل ، المهم أن أكل الربا من الموبقات .
والربا يكون في أصناف ستة بينها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : (( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد )) ، وغالب الربا الآن بين الناس غالبه : بالنوعين الأولين الذهب والفضة، لأن الأطعمة التبادل فيها قليل والربا فيها أيضا قليل ، لكن الأكثر في الأموال .
والعلماء -رحمهم الله- لما ظهرت هذه الأوراق النقدية التي هي بدل عن الذهب والفضة اختلفوا فيها اختلافا عظيما ، حتى بلغ الخلاف إلى أكثر من ستة أقوال : كلٌ يقول برأي ، وأقرب الأقوال فيها :
أنه يجوز فيها ربا الفضل ولا يجوز فيها ربا النسيئة ، بمعنى أنه يجوز فيها ربا الفضل دون ربا النسيئة إذا اختلفت الأجناس، وعلى هذا فيجوز أن أعطيك عشرة ريالات بالورق وآخذ منك تسعة ريالات بالحديد وما أشبه ذلك، لأن الصفة مختلفة، وقد جاء في الحديث : ( إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ) ، والقيمة وإن كانت متفقة حسب النظام وتقرير الحكومة ، لكن الكلام على الحقيقة الذاتية نجد أن الحديد يختلف عن القرطاس حتى في القيمة يختلف ، يعني لو فرضنا أن قطعة من حديد وورقة من الشارع أردت أن تساوي بينهما لم يكن بينهما سواء ، بل بينهما فرق ، فالجنس مختلف ، والقيمة مختلفة ، ولولا أن الحكومة جعلت هذه بمنزلة هذه في القيمة ما صارت مساوية لها في القيمة ، وعلى هذا تكون داخلة تحت قول الرسول عليه الصلاة والسلام : ( إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) .
ثم إن الربا أصناف كثيرة بعضها أقبح من بعض ، أعظمه وأشده هو أن يأكل الربا أضعافاً مضاعفة ، بحيث إذا حلَّ الدين على الفقير وليس عنده مال قال له : أنظرك لمدة سنة وأزيده ، أزيد الدين عليك ، مثل أن يحل دينه وهو عشر آلاف وليس عنده شيء فيقول : أنظرك إلى سنة ونجعله أحد عشر ألفا هذا حرام ولا يجوز ، سواء جعل ذلك صريحا أو بحيلة بأن قال : اشتر مني السلعة بأحد عشر ألفاً وبعها علي بعشرة آلاف حتى يكون في ذمته أحد عشر ألفا يتحيل على محارم الله والعياذ بالله .
والحيلة على محارم الله أقبح من إتيان المحرم صريحا ، ولهذا تجد الذين يتحيلون على الربا ينطبق عليهم قول الله تعالى : (( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس )) : فإذا هذه الآية فيها للعلماء قولان :
الأول : أنهم يقومون لأكل الربا وأخذه كالمجانين ، يعني في تصرفهم في الدنيا يتصرف تصرف المجنون الطائش ، يريد هذا المكسب الحرام ، نجد هؤلاء الذي يتحيلون على الربا يتصرفون تصرف المجانين بكل لهف وبكل شغف وبكل وسيلة ، كل يوم لهم حيلة .
والقول الثاني في الآية : أنهم يقومون من قبورهم يوم القيامة كالذي يقوم مصروعًا من الجن ، نسأل الله العافية أمام العالم ، وشاهد ومشهود .
فعلى كل حال الربا محرم سواء كان صريحا أو كان عن طريق المكر والخداع ، وما كان عن طريق المكر والخداع فهو أشد إثماً وأقرب إلى قسوة القلب والعياذ بالله : (( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )) ، ولهذا تجدهم يفعلون هذه الحيل ويرون أنها حلال وأنه لا بأس بها ولا يكادون يقلعون عنها ، لكن من فعل المحرم على وجه صريح خجل من الله وعرف أنه في معصية وربما ييسر الله له الأمر ويمن عليه بالتوبة .
( وأكل مال اليتيم ) : أيضاً من الموبقات ، واليتيم : هو الذي مات أبوه قبل بلوغه ، واليتيم فقير ، اليتيم مسكين بمعنى أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه فيأتي من يسلط على ماله ويأكله ، هذا أيضا من الموبقات .
( والتولي يوم الزحف ) : يعني القتال مع الكفار ، إذا تقابل المسلمون والكفار فإن المتولي يكون قد فعل موبقاً من موبقات الذنوب والعياذ بالله ، إلا فيما ذكر الله عز وجل : (( إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة )) .
( وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) : يعني أن يرمي الإنسان المرأة الغافلة المؤمنة بالزنا فيقول : إنها زنت هذا أيضا من موبقات الذنوب ، ومثلها أيضاً الرجل المحصن قذفه من كبائر الذنوب ، والله الموفق.