فوائد حديث ( لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ...). حفظ
الشيخ : ففي هذا الحديث : بيان شمول الشريعة الإسلامية لكل ما يحتاج الناس إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا حتى الخراءة، علمنا آداب الأكل آداب الشراب آداب النوم آداب دخول البيت والخروج منه آداب اللباس، ما من شيء نحتاجه إلا علمنا إياه عليه الصلاة والسلام ، تحقيقًا لقول الله تعالى : (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم )) ، ولقوله تعالى : (( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء )) .
وإذا كان الدين الإسلامي وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد بينت حتى هذه الأمور الطفيفة فغيرها من باب أولى ، ولذلك غلط من قال : إن آيات الصفات وأحاديثها لا يُعلم معناها وصاروا يفوضون المعنى ، فإن هؤلاء غلطوا أكبر غلط ، فيقال : سبحان الله أنتم الآن تقرون بأن قصة فرعون وهامان وقارون وغيرهم من طغاة العالم وقصص الصالحين كلها مفهومة المعنى عندكم وما ذكره الله عن نفسه فهو عندكم غير معلوم بمنزلة الحروف الهجائية كيف يكون هذا ؟!
فجميع ما يحتاج الناس إليه في معبودهم وعباداتهم وفي معاملاتهم وفي أحوالهم كله بيِّن ، ولكن الناس يختلفون منهم من يعطيه الله تعالى علما واسعا يحيط بكثير من السنة، ومنهم من دون ذلك، ومنهم من يعطيه الله تعالى فهما ثاقبا يفهم ما يسمع وما يقرأ، ومن الناس من هو دون ذلك، وفضل الله يؤتيه من يشاء .
الطالب : (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )) .
الشيخ : (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )) أحسنت جزاك الله خير نعم.
ومن فوائد هذا الحديث : تحريم استقبال القبلة بغائط أو بول لقوله : ( نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ) والأصل في النهي التحريم .
ومن فوائد هذا الحديث : جواز استقبال الشمس والقمر ، كيف ذلك ؟
لأن أهل المدينة إذا لم يستقبلوا القبلة فسوف يستقبلون الشرق أو الغرب ،وحينئذ يكونون مستقبلين إما للشمس وإما للقمر وذكرت هذا لأن بعض أهل العلم رحمهم الله قالوا : إنه يكره للإنسان أن يستقبل الشمس أو القمر وعللوا بذلك بتعليل عليل منتقض، قالوا : لأن في الشمس والقمر نورا فما فيهما من نور الله يجعلهما محترمين.
ولكن نقول : هذا أولًا : لا يجوز أن نثبت الأحكام الشرعية بمثل هذا التعليل. وثانياً : هو تعليل منتقض النجوم فيها أيضا نور من الذي أضاءها ؟
الله سبحانه وتعالى، هل نقول للإنسان : لا تستقبل النجوم، إن قلنا : لا تستقبل النجوم فكيف يجلس ؟
لأن النجوم على يمينه وعلى يساره، وأمامه وخلفه، فلهذا ذكرت ذلك ليعلم أن ما قاله بعض الفقهاء رحمهم الله في هذا قول ضعيف لا دليل عليه.
ومن فوائد هذا الحديث : النهي عن الاستنجاء باليمين وإذا كنا نقول في استقبال القبلة إنه حرام فيجب أن نقول في هذا إنه حرام ، لأن الحديث واحد والغالب أن المسائل المجعولة في حديث واحد أن حكمها واحد ، أقول : الغالب لكن ليس هذا بلازم ، فإن الله تعالى قال : (( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة )) : فذكر الخيل والبغال والحمير مع أن الخيل حلال ، والبغال والحمير حرام ، ولا عبرة بدلالة الاقتران ، لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الصحابة نحروا فرسًا في عهده في المدينة، وأقرهم على هذا.
المهم إذا لم نجد صارفا يصرف النهي إلى الكراهة في الاستنجاء باليمين فالواجب أن يكون للتحريم.
فإن قال قائل : إذا كان الإنسان أشل في يده اليسرى ؟
نقول : حينئذ يكون مضطرا إلى الاستنجاء باليمين، وقد قال الله تعالى : (( وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه )) .
ومن فوائد هذا الحديث : تكريم اليمين ، وهو كذلك ، تكريم اليمين ، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله في ذلك ضابطا مهما قالوا : " إن اليسرى تقدم للأذى واليمنى لها سواها " ، اليسرى تقدم للأذى كالاستنجاء والاستنثار وغسل الأوساخ وما أشبه ذلك واليمنى لما سواها .
ومن فوائد هذا الحديث : جواز الاستنجاء بالأحجار لقوله : ( أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ) ، فإنه يفيد أن الثلاثة وما فوق يجوز الاستنجاء به. ومن فوائد هذا الحديث : أنه لا يجوز الاقتصار بالاستنجاء على أقل من ثلاثة حتى لو طهر المحل ، لا بد من ثلاثة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من استجمر فليوتر ) .
ومن فوائد هذا الحديث : أنه لو استنجى بحجر ذي شُعَب فإن ذلك جائز، لأن كل شعبة بمنزلة حجر ، ومن العلماء من قال : لا يجوز بحجر ذي شعب لأن الحديث : ( أقل من ثلاثة أحجار ) ، لكن هذا القول جمود على اللفظ، لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أحجار ألا يمسح بوجه مرتين أو أكثر، وإنما مراده أن يكون كل وجه له مسحة إما بثلاثة أحجار أو بحجر ذي شعب ، ولم يذكر الرسول عليه الصلاة والسلام الحجر ذا الشعب ، لأن هذا قد يكون نادرًا ، أن يجد الإنسان حجرا فيه ثلاث شعب متوازية بحيث إذا مسح بشعبة لم تتلوث الأخرى هذا نادر.
ومن فوائد هذا الحديث : النهي عن الاستنجاء بالرجيع ، والرجيع ما هو ؟
الطالب : الروث .
الشيخ : الروث ، لأن الروث إن كان طاهرا فهو علف بهائم الجن ، وإن كان نجسا فالنجس لا يطهر .
وكما تعلمون أن الروث ينقسم إلى قسمين على القول الراجح : طاهر وهو روث المأكول ونجس وهو روث غير المأكول.
ومن فوائد هذا الحديث : النهي عن الاستنجاء بالعظام لقوله : ( أو عظم ) سواء كانت هذه العظام عظام ميتة ، أو عظام مذكاة ، أو عظام مباح الأكل، أو غير مباح الأكل ، لأنه إذا كانت العظام عظام ميتة فهي نجسة عند جماهير العلماء ، وإذا كانت نجسة فالنجس لا يمكن أن يطهِّر، وإن كانت مذكاة فهي طعام الجن ، ولا يحل لنا أن نعتدي عليهم بإفساد طعامهم ، وإن كان العظم من غير المأكول فهو نجس ، والنجس لا يطهِّر.
فإن قال قائل : هل تقيسون على هذا تحريم الاستنجاء بعلف بهائم الإنس ؟ فالجواب : نعم ، نقيسه قياسا جليا واضحا ، لأنه إذا كان لا يجوز أن نفسد علف بهائم الجن وهم عالم غيبي ، فعلف بهائم الإنس من باب أولى .
وإن قال قائل : وهل تقيسون على النهي عن الاستنجاء بالعظم الاستنجاء بطعام الإنس كاللحم مثلا أو الخبز أو ما أشبه ذلك ؟
فالجواب : نعم ، من باب القياس الأجلى الأوضح ، لأنه إذا كان إفساد طعام الجن حراما فإفساد طعام الإنس من باب أولى .
فإن قال قائل : وهل تجيزون أن يستنجي الإنسان بغير الأحجار مما يزيل الأذى ؟
فالجواب : نعم ، نجيز ذلك ، فلو استنجى الإنسان بمناديل طاهرة مُنقِّية فلا بأس .
وإن استنجى بخشبة فلا بأس ، وإن استنجى بِمَدر وهو الطين اليابس فلا بأس أيضا ، ولو استنجى بزجاجة ، كيف ؟
الطالب : لا يجوز .
الشيخ : لا يجوز لماذا ؟
لأنها لا تنقي لملاسته فلا يجوز أن يستنجي بما لا ينقي ، ولو استنجى بحجر رطب لا ينقي ، لماذا ؟
لأنه لا يطهر ولا ينشف .
فإن قال قائل : إذا لم ينقِ بثلاث أعني: الاستجمار هل يجب أن يزيد رابعة ؟ نعم يجب أن يزيد رابعة ، وإذا أنقى برابعة فالأفضل أن يزيد خامسة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( من استجمر فليوتر ) .
من فوائد الحديث -ونسيت أن أقولها- : تحريم العدوان على حق الغير ، لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الاستنجاء بالرجيع أو العظم ، أليس كذلك ؟
الطالب : بلى .
الشيخ : طيب هو كذلك ، فإذا كان يحرم العدوان من الإنس على الجن فإنه حرام من الجن على الإنس ، ولهذا كان العلماء الذين وهبهم الله تبارك وتعالى من القوة في الإيمان كانوا ينكرون على الجن الذين يصرعون الإنس ويقولون لهم : هذا حرام عليكم وعدوان ، والله تعالى لا يحب المعتدين ، فربما يهدي الله هذا الجن ويخرج وقد لا يخرج ، لكن الكلام على أن العدوان محرم من الإنس على الجن ومن الجن على الإنس .