كتاب الغسل ، وقول الله تعالى : (( وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون )) . وقوله جل ذكره : (( يأيها الذين ءآمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً )) . حفظ
القارئ : قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، بسم الله الرحمن الرّحيم
كتاب الغسل
وقول الله تعالى : (( وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء )).
الشيخ : (( أو لمستم )).
القارئ : (( أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ))، وقوله جل ذكره : (( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا )).
الشيخ : قال المؤلف رحمه الله كتاب الغسل، الغسل أحد الطهورين بالماء والثاني الوضوء والتيمم هو الطهور الثاني بالتراب وقد ذكر الله تعالى في الآية الكريمة بالمائدة كل هذه الأقسام فقال : (( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين )) هذا الوضوء، (( وإن كنتم جنبا فاطهروا )) هذا الغسل، (( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه )) هذا التيمم، وذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الإشارة إلى ناقضين أحدهما ناقض للوضوء والثاني ناقض للغسل يعني أحدهما موجب للوضوء والثاني موجب للغسل فاستوعبت الآية الكريمة جميع أقسام الطهارة وجميع أقسام من يتطهر به، فلنرجع إليها أما أول الآية التي لم يذكرها البخاري رحمه الله فليس لها تعلق بالغسل ومعناها واضح لأنها عبارة عن الوضوء بالماء، قال تعالى : (( وإن كنتم جنبا فاطهروا )) الجنب من أنزل منيا بشهوة وألحقت السنة به من جامع وإن لم ينزل لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال : ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل ) فالجنابة إذن إنزال المني بشهوة والجماع، وقوله : (( اطهروا )) ولم يخص الله عضوا دون عضو فدل ذلك على أن الإنسان لو طهر بدنه جملة واحدة أجزأه، مثاله أن بنغمس في بركة ناويا الغسل ثم يخرج فنقول ارتفعت عنه الجنابة لأنه الله لم يخصص عضوا دون عضو فإن قال قائل الآية مجملة (( فاطهروا )) والسنة بينت كيفية الغسل والسنة تبين القرآن وعلى هذا فيجب أن يغتسل الإنسان كما جاءت به السنة يتوضأ أولا ثم يحثو الماء على رأسه ثم يغسل سائر بدنه، قلنا هذا إيراد قوي لكن يدفعه ما رواه البخاري في حديث عمران بن حصين الطويل وفيه ( أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصلي في القوم قال : ما منعك ؟ قال : أصابتني جنابة ولا ماء، قال : عليك بالصعيد فإنه يكفيك ولم يكن مع المسلمين ماء في تلك اللحظة ثم جاء الماء وشرب الناس ورووا وبقي منهم فضلة فأعطاه النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الرجل وقال : خذ هذا أفرغه على نفسك ) ولم يقل له صفة معينة فدل ذلك على أن الآية باقية على إجمالها وأن الجنب يعتبر بدنه كله عضوا واحدا، قال : (( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء ))، (( إن كنتم مرضى أو على سفر )) أو هذه للتنويع وهو واضح، (( أو جاء أحد منكم من الغائط )) أو هذه لإيش ؟
القارئ : للتنويع.
الشيخ : لا يصح أن تكون للتنويع لأنها ليست نوعا مما سبق ولا مما لحق لكنها بمعنى الواو يعني وإن كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فإن قيل وهل تأتي أو بمعنى الواو؟ قلنا نعم أنت في كلام أفصح الكلام الخلق، قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ( أسألك اللهم بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك )، أيتها التي بمعنى الواو؟ السؤال سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، الأولى يعني سميت به نفسك وأنزلته في كتابك لأن الذي أنزله في كتابه سمى به نفسه لا شك فتكون أو هنا بمعنى الواو وعلى هذا فالآية الكريمة أو فيها بمعنى الواو، (( أو جاء أحد منكم من الغائط )) إشارة إلى واحد من موجبات الوضوء وهو الخارج من السبيلين، (( أو لمستم النساء )) فيها قراءتان (( لمستم )) و(( لامستم )) واختلف العلماء رحمهم الله هل المراد بذلك جس المرأة باليد أو المراد الجماع؟ على قولين للعلماء والصواب بلا شك أن المراد به الجماع لوجهين، الوجه الأول : أنه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما الذي قال فيه الرسول صلّى الله عليه وسلم : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) فقد صرح بأنه الجماع، والثاني أننا لو جعلناه جس المرأة باليد لكان في الآية ذكر سببين لوجوب الوضوء وإهمال ما يوجب الغسل صح أنتم معنا ولا لا طيب لأن قوله : (( وإن كنتم مرضى )) هذا ابتداء طهارة التيمم فلو قلنا أن اللمس هنا جس المرأة باليد لكان الله تعالى ذكر سببين يوجبان الوضوء وهما الإتيان من الغائط ومس المرأة وأهمل ما يوجب الغسل وهذا خلاف بلاغة القرآن وعلى هذا نقول يتعين أن تكون الملامسة هنا بمعنى الجماع فيكون الله عز وجل ذكر واحدا من نواقض الوضوء وواحدا من موجبات الغسل فإن قال قائل وهل أتى لمس بمعنى جامع؟ قلنا نعم أتى ما يرادفه كقوله تعالى : (( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ))، المراد من (( قبل أن تمسوهن )) يعني من قبل أن تجامعوهن، (( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه )) وقوله : (( لم تجدوا )) يدل على تقدم الطلب لأنه لا يقال وجد إلا لمن طلب وبحث فلا بد من بحث إذا دخل وقت الصلاة لا بد أن تبحث عن الماء فإن لم تجد (( فتيمموا )) أي اقصدوا (( صعيدا طيبا )) والصعيد كل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب ورمل وحجر وغير ذلك كل ما تصاعد على وجه الأرض ولكن الله اشترط أن يكون طيبا فما ضد الطيب؟ ضد الطيب الخبيث وهو النجس فلو فرضنا أن هذا الصعيد قد بالت عليه الحمر وبول الحمار نجس فإنه لا يجوز أن أتيمم به ولو كان يسمى صعيدا لأنه نجس أو أريق عليه دم أو ما أشبه فإنه لا يتيمم به لأنه نجس وظاهر الآية الكريمة ولو كان الصعيد محرما فيه صعيد محرم؟ نعم كالمغصوب وعلى هذا فيجوز التيمم بالأرض المغصوبة، (( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه )) امسحوا منه بوجوهكم وأيديكم والوجه حده عرضا من بين الاذنين وطولا ما بين منحنى الجبهة وأسفل اللحية ولكن هنا لا يدخل مسح المنخرين أو مسح الأسنان بالتراب وإن كان سبق لنا أن الأنف والفم من الوجه لأن السنة بينت ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب التيمم وقوله : (( أيديكم )) إلى أين؟ الكف لأن اليد عند الإطلاق لا تعدو الكف ولهذا لما قال الله عز وجل : (( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )) كان الذي يقطع من السارق الكف فقط، فإن قال قائل : قيسوا طهارة التيمم على طهارة الوضوء وقولوا يجب أن يكون منتهى المسح المرفق قلنا : لا يمكن القياس أولا لأنه قياس في مقابلة النص وكل قياس في مقابلة النص فإنه فاسد الاعتبار لأنه سيأتينا في حديث عمار أن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يمسح إلا الكفين، ثانيا : أنه قياس مع الفارق العظيم الفرق طهارة الماء تعم جميع البدن في الغسل وتعم الأعضاء الأربعة في الوضوء وطهارة التيمم في عضوين فقط فقد خالفتها أصلا ووصفا طهارة التيمم يستوي فيها الطهارتان يعني الطهارة الكبرى من الجنابة والطهارة الصغرى، طهارة التيمم مسح وطهارة الوضوء أي وطهارة الماء غسل فلا يمكن إطلاقا أن يصح قياس هذا على هذا، وأيضا هذا قياس متناقض لأنه لو قلنا بالقياس لكان من تيمم عن الوضوء وجب أن يمسح إلى المرفق ومن تيمم عن الجنابة لا يمسح إلا الكفين وهذا تناقض فعلى كل حال لا شك أن الواجب والسنة هو مسح الكفين فقط، وقوله : (( منه )) استدل بها بعض العلماء على أنه يجب أن يكون لهذا الصعيد غبار لأنه لا يتحقق المسح منه إلا بغبار يعلق باليد ولكن هذا ليس بجيد ودليل ذلك أنه ثبت في حديث عمار بن ياسر أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما ضرب بيديه الأرض نفخ فيهما لإزالة التراب وهذا يدل على أن المقصود التعبد لله عز وجل بضرب الأرض ومسح الوجه واليدين، وقوله : (( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج )) الإرادة المنفية هنا أي الإرادتين؟ الشرعية أو الكونية؟ الشرعية والدليل على ذلك أن الحرج يلحق الإنسان فهو قدرا غير منفي وأما شرعا فهو منفي، (( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم )) وتطهيره جل وعلا إيانا بالوضوء والغسل ظاهر لكن أين تطهيره بالتراب بالتيمم؟ نقول ما حصل للقلب من التذلل لله والتعبد ومسح أشرف أعضائه بالتراب هذا أعظم تطهير فهي طهارة معنوية عظيمة وذلك لأن الوضوء والغسل قد تدعو النفوس إليه لأن فيه طهارة حسية والإنسان يتنظف دائما لكن هذا ليس إلا مجرد تذلل وتعبد لله عز وجل فصار تأثيره على القلب أعظم من تأثير الوضوء والغسل وصار بذلك مطهرا للإنسان من الأرجاس المعنوية، (( وليتم نعمته عليكم )) بماذا؟ بما شرع لنا ويسر لنا، وكانت الأمم السابقة إذا حصل على الإنسان حدث ولم يجد الماء بقيت الصلاة في ذمته ولا يمكن أن يصليها وعلى هذا إذا سافر شهرا ولم يجد ماءا كم يقضي؟ يقضي شهرا وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أن الجنب لا يتيمم وأنه ينتظر حتى يقدر على الماء لكن عمار بن ياسر رضي الله عنه ذكره ورجع، (( وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون )) لعل هنا للترجي؟ لا لكنها للتعليل يعني لأجل أن تشكروا الله عز وجل على نعمته ولا يمكن أن تأتي لعل في كلام الله المضاف إليه لا يمكن أن تأتي للترجي لأن الرجاء طلب ما في حصوله عسر ومشقة والله عز وجل لا يلحقه في أي شيء عسر ولا مشقة فكلما وجدت لعل في كلام الله فهي للتوقع وإن شئت فقل للتعليل أيضا حسب السياق، وقوله جل ذكره : (( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون )) هذه الآية منسوخ منها شيء وهو ما يفيده قوله : (( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى )) فإن هذا يدل على جواز السكر لكن لا تقرب الصلاة وأنت سكران، وإذا كان الله نهانا أن نقرب الصلاة ونحن سكارى لزم من ذلك أن يتجنب الإنسان المسكر كل ما دنا وقت الصلاة لئلا تصادفه الصلاة وهو سكران، ولهذا كانت هذه الآية إحدى المراحل في تحريم الخمر فإن الخمر له أربع مراحل الإباحة والتعريض بالتحريم والمنع منه في أوقات محددة والمنع منه مطلقا، الأحوال كم؟ أربعة، أما الإباحة ففي قوله تعالى : (( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا )) فإن هذا إباحة بل حتى آية البقرة تدل على الإباحة لكن هذه صريحة وتلك تدل على الإباحة باللزوم آية البقرة (( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما )) هذه الآية إذا تلاها التالي سوف يتجنب الخمر والميسر ليش يا آدم؟
السائل : ... .
الشيخ : قلنا إن السامع لهذه الآية أو التالي لها سوف يتجنب الخمر والميسر لأن الله قال : (( وإثمهما أكبر من نفعهما )) والعاقل لا يمكن أن يفعل شيئا إثمه أكبر من نفعه، المرحلة الثالثة (( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون )) وقلت لكم أنه من لازم ذلك أن لا يسكر الإنسان عند دنو وقت الصلاة فسيأتيه خمسة أوقات لا يشرب فيها الخمر، أما المرحلة الرابعة فقوله تعالى في سورة المائدة : (( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )) وقوله جل وعلا : (( حتى تعلموا ما تقولون )) فيه الإشارة إلى أن السكران لا يعتبر قوله لأنه لا يعلم ما يقول وبناء على ذلك لو كان هناك رجل سكران غني عنده أربع نساء ومئة أمة وخمسمئة بيت قصور فقال زوجاتي طوالق وإمائي عواتق وبيوتي أوقاف ماذا نقول؟ ينفذ أم لا؟ الصحيح أنه لا ينفذ، المذهب أنه ينفذ فإذا صحا قلنا جبر الله مصيبتك نساؤك ذهبت وإماؤك ذهبت وقصورك راحت، لكن الصحيح لا شك أنه لا ينفذ لأن الله يقول : (( حتى تعلموا ما تقولون )) والسكران لا يعلم ما يقول، طيب إذن نأخذ من الآية الكريمة أن جميع أقوال السكران غير معتبرة، طيب لو أقر لشخص بشيء هل يعتبر إقراره؟ لا على القول الصحيح لا يعتبر، طيب بقينا بأفعاله، هل أفعال السكران معتبرة؟ يعني مثلا لو أن السكران أتلف مال شخص هل يضمن؟ يضمن، لماذا؟ لأن حق الآدمي لا يفرق فيه بين عالم وجاهل ولذلك لو أكلت طعام فلان تظنه طعامك هل تضمنه؟ نعم، ولو أنك في نومك انقلبت على شيء لفلان فأتلفته تضمنه، طيب لو أن السكران قتل شخصا هل يقتل؟ انتبهوا يا إخوان قتل إنسانا عمدا أخذ السكين وذبحه، هذا حق آدمي أم لا ؟ هذا حق آدمي تضمن إتلافا ولكنه لم يتضمن قصدا انتبهوا، تضمن إتلافا لا شك لكنه لم يتضمن قصدا وعلى هذا يكون خطأ فيه الدية وليس فيه قصاص والمذهب أن فيه قصاصا لأنهم يعتبرون أن جميع أفعال السكران وأقواله كلها كأفعال الصاحي وكأقوال الصاحي إلا أنهم استثنوا مسألة.