تفسير قول الله تعالى في سورة البروج من قوله:" وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد" إلى قوله "فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ". حفظ
الشيخ : الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فهذا هو اللقاء الأخير من شهر ربيع الثاني، عام 1414 ه، والذي يتم يوم الخميس الثامن والعشرين من ذلك الشهر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا ولكم بالخير، وأن يحسن لنا ولعامة المسلمين العاقبة.
كنا تكلمنا في الأسبوع الماضي على أول سورة البروج ، إلى أن وقفنا على قوله تعالى : (( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )) أي : ما أنكر هؤلاء الذين سعَّروا النار بأجساد هؤلاء المؤمنين إلا هذا ، أي : إلا أنهم آمنوا بالله عز وجل: (( إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )).
وهذا الإنكار أحق أن ينكر، لأن المؤمن بالله العزيز الحميد يجب أن يساعد ويعان، وأن تسهل له الطرق، أما أن يمنع ويُردع حتى يصل الحد إلى أن يحرق بالنار فلا شك أن هذا عدوان كبير، وليس هذا بمنكر عليهم بل هم يحمدون على ذلك، لأنهم عبدوا من هو أهل للعبادة وهو الله جل وعلا الذي خلق الخلق ليقوموا بعبادته، فمن قام بهذه العبادة فقد عرف الحكمة من الخلق وأعطاها حقها، وقوله: (( إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )): العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء ، فهو سبحانه وتعالى له الغلبة والعزة على كل أحد ، ولما قال المنافقون : (( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ )) ، قال الله تبارك وتعالى : (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ )).
وقوله: (( الحَمِيد )) بمعنى: المحمود، فالله سبحانه وتعالى محمود على كل حال، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه إذا جاءَه ما يُسرُّ به قال : ( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) ، وإذا جاءه خلاف ذلك قال : ( الحمد لله على كل حال ) ، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان، أن يقول عند المكروه : ( الحمد لله على كل حال ) .
أما ما نسمعه من بعض الناس يقول : " الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه " ، فهذا خلاف ما جاءت به السنة ، بل قل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( الحمد لله على كل حال ) ، أما أن تقول : الذي لا يحمد على مكروه سواه ، فكأنك الآن تعلن أنك كاره ما قدر الله عليك ، وهذا لا ينبغي، بل الواجب أن يرضى الإنسان بما قدر الله عليه مما يسوءه أو يسره، لأن الذي قدره عليك من ؟
الله عز وجل هو ربك وأنت عبده ، هو مالكك وأنت مملوك له ، فإذا كان الله هو الذي قدر عليك ما تكره فلا تجزع ، يجب عليك الرضا والصبر وألا تسخط لا بقلبك ولا بلسانك ولا بجوارحك، اصبر وتحمل ، والأمر سيزول، " دوام الحال من المحال " ، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ) .
فقوله جل وعلا : (( الحَمِيد )) ما معنى الحميد ؟
أجيبوني؟
المحمود، المحمود على كل حال من سراء أو ضراء، لأنه إن قدر السراء فهو ابتلاء وامتحان قال الله تعالى: (( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً )).
ولما رأى سليمان عرش بلقيس بين يديه بلحظة ماذا قال ؟
قال: (( هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُر )) ، فأنت يا أخي إذا أُصبت بالنعمة لا تأخذها على أنها نعمة فتمرح وتفرح، هي نعمة لا شك لكن اعلم أنك ممتحن بها، هل تؤدي شكرها أو لا تؤدي.
إن أصابتك ضراء فاصبر فإن ذلك أيضًا ابتلاء وامتحان من الله عز وجل ليبلوك هل تصبر أو لا تصبر ، وإذا صبرت واحتسبت الأجر من الله فإن الله يقول: (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )).
ويجوز أن يكون معنى قوله: (( الحَمِيد )) : أن يكون له معنى آخر وهو الحامد ، فإنه سبحانه وتعالى يحمد من يستحق الحمد ، يثني على عباده من المرسلين والأنبياء والصالحين ، والثناء عليهم حمد لهم ، فهو جل وعلا حامد وهو كذلك محمود .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشَربة فيحمده عليها ) ، لأنه لولا أن الله يسر لك هذه الأكلة والشربة ما حصلت عليها ، قال الله تبارك وتعالى : (( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )) ، أجب على هذا السؤال؟
الله يسألنا (( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )) ما الجواب ؟
الجواب : بل أنت يا ربنا .
(( لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً )) بعد أن يخرج وتتعلق به النفوس يجعله الله حطامًا ولم يقل عز وجل لو نشاء لم ننبته ، لأن كونه ينبت وتتعلق به النفس ثم يكون حطامًا أشد وقعًا على النفس من كونه لا ينبت أصلا .
(( لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ )).
ثم جاء للشرب فقال : (( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ )) :
الجواب : بل أنت يا ربنا.
(( لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً )) أي : مالحا غير عذب لا يستطيع الإنسان أن يشربه.
(( فَلَوْلا تَشْكُرُونَ )) يعني: فهلا تشكرون الله على ذلك ، وهنا لم يقل عز وجل : لو نشاء لم ننزله من المزن ، لأن كونه ينزل ولكنه لا يشرب لا يطاق أشد من كونه لم ينزل أصلا ، فتأملوا يا أخي القرآن الكريم ستجدون فيه من الأسرار والحكم الشيء الكثير .
(( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )) :
(( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )) : له وحده ملك السماوات والأرض لا يملكها إلا هو عز وجل ، فهو يملك السماوات ومن فيها ، والأرضين ومن فيها ، وما بينهما وما فيهما ، كل شيء ملك لله ، ولا يشاركه أحد في ملكه، وما يضاف إلينا من الملك فيقال مثلا: هذا البيت ملك لفلان هذه السيارة ملك لفلان فهو ملك قاصر، وليس ملكا حقيقيا، لأنه لو أن إنسان أراد أن يهدم بيته بدون سبب هل يملك ذلك ؟
أجيبوا؟
لا، لو أردت أن تهدم بيتك بدون سبب ما تملك هذا، هذا حرام عليك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال .
لو أردت أن تحرق سيارتك بدون سبب تملك هذا ؟
ما تملك، حتى لو أنك فعلت لحجر الناس عليك ، حتى القاضي يحجر عليك يمنعك من التصرف في مالك مع أن الله قد منعك قبل، إذًا ملكنا قاصر والملك التام لله .
(( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )) مطلع عز وجل على كل شيء، ومن جملته ما يفعله هؤلاء الكفار بالمؤمنين من الإحراق بالنار وسوف يجازيهم، ولكن مع ذلك مع فعلهم هذه الفعلة الشنيعة قال:
(( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ )) : قال بعض السلف : " انظر إلى حلم الله عز وجل، يُحرقون أولياءه ثم يعرض عليهم التوبة " ، يقول : (( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ )) ، وإن تابوا فلا شيء عليهم ، فتأمل يا أخي حلم الله عز وجل حيث يحرق هؤلاء الكفار أولياءَه والتحريق أشد ما يكون من التعذيب ثم يقول: (( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا )) قال العلماء : فتنوا بمعنى: أحرقوا ، كما قال تعالى: (( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ))، فهؤلاء أحرقوا المؤمنين وأحرقوا المؤمنات، يأتون بالرجل وبالمرأة يحرقونهم بالنار، يقول عز وجل : (( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا )) أي : لم يرجعوا إلى الله .
(( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ )): لأنهم أحرقوا أولياء الله، فكان جزاؤهم مثل عملهم (( جزاء وفاقا )) .
في هذه الآيات من العبر :
أن الله سبحانه وتعالى قد يسلط أعداءه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سلط الله عز وجل الكفار على المؤمنين وقتلوهم وحرقوهم وانتهكوا أعراضهم، لا تستغرب لله تعالى في هذا حكمة.
المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله سبحانه وتعالى ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، والمسلمون الباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، فمثلا نحن الآن نسمع ما يحصل بالبوسنة والهرسك من الانتهاكات العظيمة، انتهاك الأعراض وإتلاف الأموال وتجويع الصغار والعجائز نسمع أشياء تبكي، فنقول: سبحان الله ما هذا التسليط الذي سلطه الله على هؤلاء المؤمنين ؟
نقول: يا أخي لا تستغرب فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالا فمن سبق، يحرقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سُلِّطوا على إخواننا في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين لا تستغرب، هذا رفعة درجات للمصابين، وتكفير سيئات، وهو عبرة للباقين، علينا أن نعتبر بهذا.
وهو أيضا إغراء لهؤلاء الكافرين حتى يتسلطوا فيأخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر.
وفيه أيضا في هذه الآيات من العِبر: أن هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب إلا شيئًا واحدًا وهو أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب بل هذا هو الحق، ومن أنكره فهو الذي يُنكر عليه.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يقينا شر أعدائنا وأن يجعل كيدهم في نحورهم إنه على كل شيء قدير، ونجعل الباقي من الوقت جوابا للأسئلة، وكنا بالأول نجعله من اليمين حتى يتم ولكن رأيت أن نجعل واحد على اليمين وواحد على اليسار، لأن أهل اليسار يقولون : نحن نحرم، نأتي مبكرين ثم ينتهي الوقت ولم يحصل لنا سؤال، لذلك يا أخ موسى واحد على اليمين وواحد على اليسار .